يَعْقِلون
| سليم مصطفى بودبوس
بادرة فريدة تلك التي انبثقت في الدمام بالمملكة العربية السعودية.. معهد (يعقلون) العالي للتدريب اجتمعت فيه الإرادة والطموح؛ إرادةُ الخبير بمناهج الفلسفة والعلوم الإنسانية الدكتور نورالدين السافي صاحب التجارب المتراكمة تأليفًا وتدريبًا ونشرًا، وصاحب الأثر الطيب حيثما عمل (تونس، مملكة البحرين، المملكة العربية السعودية وغيرها...)، وطموحُ الأديبة والروائية السعودية آمنة صدقي بوخمسين ذات النشاط الثقافي اللامع والبصمة القوية في المشهد الثقافي السعودي والخليجي، إلى جانب نشاطها المجتمعي في المجالس الفكرية والثقافية. لقد آمن الطرفان بأنّ الفلسفة ليست ترفًا فكريًّا، بل حاجةٌ واقعيّة ملحّة وأساسيّة، وأنّ الفلسفة ليست جريمة، إنما هي فضيلة وسعي حثيث للمشاركة الإيجابية في المعرفة الإنسانية، لذا كان من رسالة مركز يعقلون إضافة إلى “المساهمة الإيجابية في تقدم المملكة من خلال إنجاز برامج تعليمية علمية وتربوية وفنيّة عالية الجودة” “الشراكة الإيجابية محليًّا ودوليًّا لتعزيز إنتاج المعرفة ونشرها، ودعم القيم الإنسانية الكلّية والمشتركة في سياق تحقيق المواطنة المحلية والكونية”. وأثمر هذا اللقاء الفكري بين الفيلسوف نورالدين السافي الذي تولّى مسؤولية الإشراف العلمي وإدارة الشؤون التعليمية إلى جانب مهماته التدريسيّة والتأطيريّة، والأديبة آمنة صدقي بوخمسين التي تولّت خطة الإدارة التنفيذية للمشروع، تأسيس أوّل كيان أكاديميّ سعودي يُعنى بالفلسفة والموسيقى والفنون، يجمعُ بين الفكر والتطبيق، وبين الرؤية والعمل.. وغدا هذا المعهد علامة مضيئة في التنشئة على حبّ الحكمة والتدريب على التفكير الفلسفي، وصار معهد يعقلون العالي قبلة للشباب السعودي والخليجي ليكون أول معهد سعودي يمنح شهادات متخصصة في الفلسفة والموسيقى والفنون التشكيلية معتمدة من طرف الدولة.
و(يعقلون) اختيار حكيم لاسم المعهد؛ فهي عبارة مقتبسة من القرآن الكريم تؤكد الإيمان بكرامة الإنسان المتجدّد الرّافع لشأن العقل حتى يكون جديرًا برسالة القرآن الذي وجهه الله لقوم يعقلون، و”كيف نكون من الذين يعقلون إن لم نجعل العلم سلاح بقاء وديمومة، والتعلّم المتواصل أسلوب فعل ومنهج حياة” على حدّ قول الدكتور نورالدين السافي. (يعقلون)، أخيرًا وليس آخرًا، نقطة جديدة لمستقبل الفكر الإنساني في المملكة العربية السعودية مجسّدا رؤية 2030 ومؤمنًا بها وساعيًا إلى تحقيق قيم الحق والخير والجمال بما هي قيم كونية جامعة تضمن للإنسان حيثما كان كرامته واستقلاله لصناعة المستقبل، وتجعل التطور مستمرًّا ثقافيًّا ومعرفيًّا.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية