القمة بين وقف النار وإعادة الإعمار

| أسامة مهران

 لا وقف للنار، ولا إعادة للإعمار، شعار رفعته إسرائيل والولايات المتحدة قبل القمة بـ 24 ساعة، أراد الحليفان ترامب ونتنياهو وضع العصا في العجلة وخططا سويًّا للتهجير، للتطهير، للإقصاء الجماعي، وبئس المصير. التأمت قمة فلسطين العربية في القاهرة، وترأسها حضرة صاحب الجلالة مليكنا المعظم حفظه الله ورعاه بوصفه رئيسًا للدورة الحالية في القمة العربية، وساهم جلالته بكلمة سامية لاقت قبولًا من جميع القادة ومندوبي الدول التي لم يتم تمثيلها على مستوى القادة وهم سبع دول عربية.  القمة خرجت ببيان مزدوج، بتوصيات عن وقف النار الذي تعرض لانتهاكات إسرائيلية على أكثر من مستوى، وإعادة إعمار غزة التي تبلغ تكاليفها حسب تقديرات المشروع المصري نحو 53 مليار دولار على مرحلتين: الأولى بتكلفة 20 مليار دولار، مدتها سنتان. الثانية بكلفة 33 مليار دولار، مدتها سنتان ونصف السنة. مصادر التمويل ما زالت مجهولة، ومعالم الخطة ما زالت مبهمة، لا لشيء إلا لأنها كانت ضمن ملفات أكثر من شائكة، أهمها، ضمان بقاء حماس على هامش القضية، نزع سلاحها، وإدارة قطاع غزة من خلال لجنة فلسطينية عربية مؤقتة إلى حين إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية فلسطينية فيما بعد.  خطابات القادة العرب والبيان الختامي للقمة مرتبطان ببعضهما البعض، سواء ما يرتبط بالحل البعيد للدولتين، أو ما يخص ثوابت قمة الرياض عام 2002م التي أكدت أن لا سلام من دون وطن قابل للحياة للفلسطينيين في غزة والضفة الشرقية وعاصمتها القدس الشريف. الأمل العربي بعيد جدًّا عن الرأي الإسرائيلي ـ الأمل العربي أقرب للحلم الكبير، والمخطط الإسرائيلي أبعد ما يكون عن الحلم العربي. أحدهما أو كلاهما سوف يصطدمان ببعضهما البعض عاجلاً أم آجلاً، صحيح أن العرب ينشدون السلام الذي أصبح مقابل السلام وليس مقابل الأرض، لكن حتى السلام العربي لم يقابله سلام إسرائيلي ولا حتى مصافحة دبلوماسية على طريقة ذر الرماد في العيون. سقط برقع الحياء عن القادة الإسرائيليين ولم ينزع العرب برقع حيائهم حتى الآن، ما زالوا يمدون اليد للسلام، وما زالت إسرائيل ترفض مد اليد إلا بخنجرها المسموم في خاصرة الأمة العربية والإسلامية جمعاء. غطرسة وغرور لم يسبق لهما مثيل في العلاقات الدولية، مدعومة بموقف أميركي غير مسبوق وغير دبلوماسي وغير عادل بأي مقياس سياسي، وأي معيار إنساني. ترامب يكيل مواقفه ويقيسها بالمال، بالمصالح المباشرة، وليس عن طريق حقوق الآخرين، تاريخ وجودهم في هذه الأرض، جغرافية وديمغرافية تكوين المنطقة ومعتقداتها وتقاليدها، هو يتعامل كالرعاة الأميركيين وهم يطهرون “الوطن” من سكانه الأصليين إبان الغزو الأوروبي لأميركا الجديدة. ورغم أنه مهاجر أوروبي إلى “أرض الميعاد” إلا أنه يكره المهاجرين، ورغم أنه أفلس عشرات المرات، لكنه الرئيس الأميركي الوحيد الذي يعود إلى الحياة والثروة والسلطة مرة ثانية على قاعدة “الرئيس يعيش مرتين”، أطلقوا عليه الرصاص في محاولة مشبوهة لاغتياله لكنه أفلت من الموت مدعيًا أن أذنه ذبحت، لكن ظهر للعيان بعد الحادثة بأيام أن لديه أذنين وربما أكثر. على هذه القاعدة وغيرها نجد أن الموقف الأميركي أصبح منحازًا بنسبة مئة في المئة لإسرائيل، وأصبحت غزة بالنسبة لترامب وفريقه مجرد صفقة تجارية شأنها في ذاك شأن المنتجعات التي يمتلكها والتجارة الواسعة التي يعمل بها. القمة العربية خرجت بتضامن حماسي، لكنها لم تخرج بقرارات محددة إلا فيما يتعلق بالوفد الذي سيزور البيت الأبيض قريبًا لشرح الموقف العربي إلى الرئيس ترامب، كل الخوف أن يعود الوفد بخفي حنين. والكارثة لو يفعل ترامب معهم ما فعله مع زيلينسكي. والله يستر.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية