هل أصبح العراق معرّضًا لرياح التغير السياسي؟
| د. شمسان المناعي
كل المؤشرات والدلائل تشير إلى أن رياح التغير السياسي التي عصفت بالمنطقة وعملت على تغير المعادلة السياسية وكان آخرها ما حدث في سوريا ولبنان بعد حرب غزة، هي اليوم تواصل هبوبها وبالتحديد جهة العراق الذي تتجاذب النفوذ السياسي فيه دولتان، إيران والولايات المتحدة الأميركية، وما عودة رئيس وزراء العراق السابق مصطفى الكاظمي إلى العراق الذي عرف بالاعتدال والنأي بالعراق عن أي نفوذ وتدخلات للدول الأجنبية، وما تعرضه لمحاولة اغتيال في بغداد عندما كان رئيسًا للوزراء من قبل الفصائل المسلحة الموالية لإيران، إلا أكبر دليل على ذلك، وأن الأزمة السياسية العميقة في العراق وصلت إلى طريق مسدودة وأصبحت قابلة للانفجار في أية لحظة، سيما بعد العودة الثانية للرئيس الأميركي رونالد ترامب إلى الحكم، والذي عرف عنه أخذه بسياسة متشددة تجاه إيران، وسبق أن فرض عقوبات عليها لا تزال باقية ويهدّدها بمزيد من العقوبات إذا لم تتخل عن سياستها في التدخل في شؤون الدول المجاورة لها. وأصبحت الساحة السياسية العراقية اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تخضع للضغوط الأميركية التي تسعى للحد من النفوذ الإيراني في العراق المتمثل في الحشد الشعبي والفصائل المسلحة التي ترفض الانصياع لسيادة الدولة في العراق وترفض تسليم أسلحتها للجيش العراقي وتهدّد بقتال قوات التحالف المتواجدة في العراق التي أغلبها من القوات الأميركية، أو أن يظل الموقف السياسي في العراق غير مستقر على المستوى السياسي، وقابلًا للانفجار في أية لحظة. أمام كل هذه التغيرات السياسية الدراماتيكية أصبح العراق في وضع لا يحسد عليه وأصبحت الحكومة العراقية الحالية متخوفة من فرض عقوبات أميركية عليها وعلى شخصيات سياسية عراقية وقضاة حسب ما جاء في المكالمة الهاتفية التي تمت بين وزير الخارجية الأميركي ورئيس وزراء العراق، حيث حثّ وزير الخارجية الأميركي رئيس وزراء العراق على الحد من النفوذ الإيراني في العراق للابتعاد عن أية عقوبات أو قرارات أميركية قد تؤثر سلبًا على العراق. ومن هنا تكتسب عودة الكاظمي أهميتها لإعادة الوضع السياسي في العراق إلى سابق عهده وهو لن يقبل بالعمل كوسيط سياسي بين النظام والفصائل المسلحة، إنما يسعى لتغيير البوصلة السياسية في العراق، خصوصًا بعد تزامن عودته مع عودة إياد علاوي وعدنان الزرفي للعراق وتشكيل تحالف سياسي ليبرالي جديد لإعادة التوازن السياسي في العراق وإعادة العلاقات مع أميركا إلى سابق عهدها، حيث إن الإطار التنسيقي المكون من الأحزاب الموالية لإيران تقبل بعودة الكاظمي حتى لا تفقد نفوذها، بيد أنه يبدو أن “السيف قد سبق العذل”، حيث لا تزال الفصائل المسلحة سواء المنضوية تحت لواء الدولة كـ “الحشد الشعبي” أو غير المنضوية مثل “حركة النجباء” و”حزب الله العراقي”، مصرون على موقفهم رغم أن أميركا ودول الناتو صنفتهم كمنظمات إرهابية. وما يزيد الموقف السياسي في العراق تعقيدًا أنه على المستوى الدولي هناك اتفاق غير معلن بين أميركا وروسيا على عدم تدخل روسيا فيما يحدث من نزاع بين أميركا وإيران وأذرعها في المنطقة، ومنها العراق مقابل عدم تدخل أميركا في حرب روسيا مع أوكرانيا، وما المناظرة الشديدة التي تمت على شاشات وسائل الإعلام بين الرئيس الأميركي ورئيس أوكرانيا إلا دليل على ذلك، لذا فالأيام القليلة القادمة حبلى بالأحداث، وإعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية في المنطقة لا تزال مستمرة وندع الأيام القليلة القادمة تكشف عن خباياها.
كاتب وأكاديمي بحريني