سياسة من دون دبلوماسية (2)

| كمال الذيب

 استُقبل الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي في لندن استقبال الأبطال عشية اجتماع القادة الأوروبيين - حلفاء أوكرانيا لدعمه مواصلة الحرب مع روسيا، ورفع عدد من الجمهور المتجمع في الشارع هتافات لدعم الصمود الأوكراني، وبدا اجتماع القادة الأوروبيين وما صدر عنه من تصريحات ونوايا وإجراءات فورية موجهة بالدرجة الأولى ضد خطة الرئيس دولاند ترامب لإيقاف الحرب الأوكرانية – الروسية، وضد تفرد الرئيس الأميركي بحل القضية بشكل مباشر مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من دون التشاور مع الأوروبيين المعنيين أكثر من غيرهم بهذه الحرب وتداعياتها.  إن التمنع الأوكراني المسنود بالدعم الأوروبي في مواجهة خطة الرئيس ترامب لإيقاف الحرب فرض معادلة جديدة لم تتضح ملامحها بشكل كامل: بين خطة للسلام بشروط روسية، وخطة أوروبية للسلام بشروط أوكرانية. بما يعيد الملف بالكامل إلى المربع الأول. المشكلة أن الخلاف بين الجانبين (ويفترض أنهما حلفاء) سوف يقود على الأرجح إلى تبديد فرص السلام التي لاحت في الأفق مع وصول ترامب للحكم. وقد يدفع ذلك بالنتيجة إلى تأجيج المواجهة بين روسيا والعالم الغربي بأجمعه، مع احتمالات الحرب النووية، والتي قد تنتهي سياسيًّا – إذا ما نجا العالم من التدمير الشامل – إلى تقسيم جديد لأوروبا بما يشبه ما حدث في يالطا العام 1945م، بتقاسم ستالين وروزفلت الهيمنة على القارة الأوروبية، بعيدًا عن إرادة الحكومات المنتخبة وشعوبها.

 هذا التصادم (بين إصرار على وقف الحرب بأي ثمن، والرغبة الجامعة على تأجيجها إلى أبعد مدى) يؤكد أن التحالف الحالي بين ضفتي الأطلسي لم يعد ضروريًّا، كما أن أوروبا لم تعد أولوية للولايات المتحدة الأميركية.  من الواضح أن الأميركان أنجزوا مراجعتهم الواقعية وأدركوا الحجم الحقيقي للقوة الروسية، ولذلك يعملون على ترميم ما أفسدته الإدارة الأميركية السابقة، وأولى أدوات هذا الترميم ما حدث خلال الأسابيع الماضية من اجتماعات ولقاءات وتصريحات وردود أفعال، وما بدا كأنه ابتزاز للأصدقاء والضغط عليهم وإحراجهم بعيدًا عن منطق الدبلوماسية التقليدية المعتادة التي تم تجاوزها، في سعي للحصول على المكتسبات، وتتولى القارة الأوروبية الدفاع عن نفسها بنفسها، لتتفرغ الولايات المتحدة لمعاركها المقبلة مع الصين المنافس الأكبر على كافة الأصعدة.

كاتب وإعلامي بحريني