سياسة من دون دبلوماسية (1)

| كمال الذيب

 الذي حدث خلال اللقاء الذي جمع الرئيسين ترامب وزيلينسكي كان مدهشًا للغاية، ولكنه دشّن مرحلة جديدة لسياسة من “دون دبلوماسية” أو بـ “دبلوماسية” مباشرة إن صح التعبير. لقد اختفت تلك اللغة التي درج على استخدامها الدبلوماسيون، واختفت تلك العبارات المهذبة من نوع: (إن صاحبة الجلالة تعبر عن قلقها من...) وحلت محلها لغة فجة ومباشرة. فعلى امتداد التاريخ كانت هناك خلافات وصراعات بين الدول وبين السياسيين، لكنها لم تكن تظهر للعلن بهذه الفجاجة، ولم تكن تبث على الهواء مباشرة، بل تتولى السياسة تصريفها عبر القنوات الدبلوماسية. وبعيدًا عن هذه المبارزة الدراماتيكية وتداعياتها ومآلاتها، فإن الأهم من ذلك هو تلمس بعض ملامح التغير في السياسة الخارجية الأميركية، ولنتوقف عند مؤشرين فقط: المؤشر الأول: بخلاف التوقعات تبنى مجلس الأمن مشروع قرار أميركي حول أوكرانيا، يتضمن الدعوة إلى إيقاف الحرب في أقرب وقت. وللمرة الأولى، امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت على قرار في الجمعية العامة يتحدث عن التضامن مع أوكرانيا ووحدة أراضيها. وفي المقابل، طرحت واشنطن مشروعًا يدعو إلى إنهاء النزاع دون الإشارة إلى التدخل الروسي أو إلى وحدة الأراضي الأوكرانية، ومما عزز مخاوف الأوروبيين إعلان الرئيس ترامب مبادرته لوقف الحرب والقبول بالتغير الحاصل في الحدود الأوكرانية وإعادة النظر في العلاقات مع روسيا وإمكانية رفعِ العقوبات الاقتصادية عنها. 

المؤشر الثاني يشمل طائفة واسعة من الأمثلة مثل مستقبل الناتو والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي والصين وكندا وإيران وغزة، والشطب على العديد من القرارات والمواقف التي اتخذتها الإدارة السابقة، والاتجاه نحو سياسات أكثر واقعية وبراغماتية، وجميعها تنبئ بتغير جذري في السياسة الخارجية الأميركية.  في المقابل تخلت أوروبا في وقت مبكر من الأزمة عن العمل الدبلوماسي وقت الأزمات، عن دبلوماسية المشاركة البراغماتية التي كانت دائمًا هي الحل الأمثل للتعامل مع الأزمات. وها هي أوروبا (السياسية والإعلامية) تحاول بعد هذه الصدمة إعادة التموضع والبحث عن مخرج، بعد أن وقعت ضحية الدعاية المضللة حول حقيقة هذه الحرب وواقع الحال في الساحة العسكرية، واعتماد التضليل الإعلامي بأن: “أوكرانيا سوف تنتصر، وأن الروس ضعاف وبالإمكان إلحاق الهزيمة بهم”. وللحديث صلة.

كاتب وإعلامي بحريني