غذاء الخليج من كمبوديا

| عبدالله بوقس

‭ ‬تواجه‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬معضلة‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ندرة‭ ‬الموارد‭ ‬الطبيعية‭ ‬وتغير‭ ‬المناخ،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تأمين‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الغذائية‭ ‬تحدّيًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬يتطلب‭ ‬حلولًا‭ ‬مبتكرة‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬تقلص‭ ‬الرقعة‭ ‬الزراعية‭ ‬وارتفاع‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الاستيراد،‭ ‬يبرز‭ ‬الاستثمار‭ ‬الزراعي‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬الخيارات‭ ‬المتاحة‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬الوجهات‭ ‬الواعدة،‭ ‬تظهر‭ ‬كمبوديا‭ ‬كأرض‭ ‬خصبة‭ ‬تتيح‭ ‬فرصًا‭ ‬استثمارية‭ ‬كبيرة،‭ ‬بفضل‭ ‬مواردها‭ ‬الطبيعية‭ ‬الوفيرة‭ ‬وتكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬المنخفضة‭.‬

‭ ‬تمتلك‭ ‬كمبوديا‭ ‬إرثًا‭ ‬زراعيًّا‭ ‬غنيًّا،‭ ‬حيث‭ ‬شكلت‭ ‬الزراعة‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لاقتصادها‭. ‬وتتمتع‭ ‬بمساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬الأراضي‭ ‬غير‭ ‬المستغلة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬بيئة‭ ‬مثالية‭ ‬لاستثمارات‭ ‬زراعية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلبي‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬احتياجات‭ ‬الخليج‭ ‬الغذائية‭. ‬ووفقًا‭ ‬لتقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الدولة‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا‭ ‬تضم‭ ‬إمكانات‭ ‬هائلة‭ ‬لم‭ ‬تُستغل‭ ‬بالكامل،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬نقطة‭ ‬جذب‭ ‬للمستثمرين‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬أسواق‭ ‬جديدة‭.‬

‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬تواجه‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تحديات‭ ‬بيئية‭ ‬تعوق‭ ‬تحقيق‭ ‬الاكتفاء‭ ‬الذاتي‭ ‬الزراعي‭. ‬فبحسب‭ ‬تقرير‭ ‬نشرته‭ ‬مجلة‭ (‬آراء‭ ‬حول‭ ‬الخليج‭)‬،‭ ‬تستورد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬نحو‭ ‬80‭ % ‬من‭ ‬غذائها،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬عرضة‭ ‬لمخاطر‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬والأزمات‭ ‬الاقتصادية‭. ‬هذا‭ ‬الاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬استراتيجيات‭ ‬للاستثمار‭ ‬الزراعي‭ ‬في‭ ‬الخارج،‭ ‬بهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬استقرار‭ ‬في‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬الغذائية‭ ‬وتقليل‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬مواردها‭ ‬المائية‭ ‬المحدودة‭.‬

‭ ‬يمثل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الزراعي‭ ‬الكمبودي‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬لتحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬متعددة‭. ‬فمن‭ ‬خلال‭ ‬توجيه‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬نحو‭ ‬تطوير‭ ‬زراعة‭ ‬المحاصيل‭ ‬الأساسية،‭ ‬مثل‭ ‬الأرز‭ ‬والقمح،‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬إمدادات‭ ‬غذائية‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا،‭ ‬مع‭ ‬تقليل‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬المياه‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬شح‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬انخفاض‭ ‬تكاليف‭ ‬العمالة‭ ‬وتوافر‭ ‬الأراضي‭ ‬الخصبة‭ ‬بأسعار‭ ‬تنافسية‭ ‬يجعل‭ ‬كمبوديا‭ ‬وجهة‭ ‬استثمارية‭ ‬جذابة،‭ ‬وفقًا‭ ‬لتقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬الصندوق‭ ‬الدولي‭ ‬للتنمية‭ ‬الزراعية‭ (‬إيفاد‭) ‬لعام‭ ‬2023‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬رغم‭ ‬هذه‭ ‬الفرص‭ ‬الواعدة،‭ ‬تظل‭ ‬هناك‭ ‬تحديات‭ ‬يجب‭ ‬معالجتها‭. ‬إذ‭ ‬تثار‭ ‬مخاوف‭ ‬حول‭ ‬التأثيرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والبيئية‭ ‬لمثل‭ ‬هذه‭ ‬الاستثمارات،‭ ‬خاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بحيازة‭ ‬الأراضي‭ ‬وحقوق‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭. ‬فبحسب‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬منظمة‭ ‬الأغذية‭ ‬والزراعة‭ (‬الفاو‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬نجاح‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الزراعية‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬نهج‭ ‬مستدام‭ ‬يضمن‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ويحافظ‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬البيئية‭. ‬لذا،‭ ‬ينبغي‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬الالتزام‭ ‬بمبادئ‭ ‬الاستثمار‭ ‬المسؤول،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشراكة‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬الكمبودية‭ ‬وتطبيق‭ ‬معايير‭ ‬تحمي‭ ‬حقوق‭ ‬المزارعين‭ ‬المحليين‭ ‬وتضمن‭ ‬استدامة‭ ‬المشاريع‭ ‬الزراعية‭.‬

‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬يمثّل‭ ‬الاستثمار‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬الكمبودية‭ ‬خطوة‭ ‬استراتيجية‭ ‬نحو‭ ‬تعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي،‭ ‬لكنه‭ ‬يتطلب‭ ‬رؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬تأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار‭ ‬الأبعاد‭ ‬البيئية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬لضمان‭ ‬تحقيق‭ ‬فوائد‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬والمجتمعات‭ ‬المحلية‭.‬