هلال الخوف

| أسامة مهران

 لم تخفن السماء رغم تحالفها مع النجوم، ولم تأسرن النجوم رغم سطوعها في الفضاء، لكن الهلال عندما يظهر من بعيد، وحين يلفه الكون الرهيب، وتحتضنه الكواكب العملاقة، ويصبح قاب قوسين أو أدنى من أرحام العيون المجهدة، يصبح للهلال نصف دائرته الواضحة، وعمق محيطه الأخاذ، وتبدو الأمم المتابعة له “كمثل حبة في الأرض أنبتت سبع سنابل”، وكمثل رجل عملاق يظهر فجأة في الأراضي المقدسة، كلما نقترب منه يبتعد، وكلما نطارده ينظر إلينا بشراسة، وكلما ندقق في النظر يدير لنا ظهره ويختفي. “هلال الخوف” - قصيدة مستوحاة من قصيدة أخرى للشاعر الفلسطيني الراحل توفيق زياد، اسمها “رمضان كريم”، كتبها الشاعر الكبير وهو ينتظر هلال شهر رمضان المبارك بكل شوق وبكل الخوف، بكل حميمية الانتظار ولهفة المؤمن الموحد بالله.  توفيق زياد لا ينتظر الشهر الكريم باعتباره شهرًا في الأبجدية العربية، بقدر ما هو أذان للمغرب من مآذن القاهرة الكبرى، والراحل الصوفي العظيم الشيخ محمد رفعت يؤذن في الناس بعد مدفع الإفطار مباشرة، فتبدأ جموع المسلمين في نطق الشهادة، والتمتمة ببعض الأدعية “اللهم لك صمت، وبك آمنت، وعلى رزقك أفطرت”، ثم يبدأ القوم المؤمنون في تناول حبات التمر وكوب من الماء أو اللبن، ليشقوا به عطش وجوع الساعات الطويلة الصائمة. ثم يخرج علينا من إذاعة صوت العرب من القاهرة، سلطان التواشيح الدينية الأول الشيخ الراحل محمد النقشيندي، وهو يعلو بصوته الملائكي الرحب كل صوت، والناس يتسابقون على تناول طعام الإفطار الذي لا طعم له من دون “النقشيندي”.

و.. مناسك الصلوات من العشاء حتى التراويح، حتى الخروج مع الأهل والأصدقاء في نزهة روحانية خالدة، عند أهل بيت رسول الله، فإلى أحد المقاهي القريبة من وسط القاهرة الفاطمية، حيث “الفيشاوي” و”نجيب محفوظ” و”ريش” وغيرها من مقاهي قبلة العظماء. وفي نهاية الليل وقبل الفجر بساعات قلائل، يتوجه الجميع إلى المطاعم الشهيرة القريبة لتناول طعام السحور، وما لذ وطاب من إبداعات الطهاة المهرة. هكذا يصور توفيق زياد رمضان القاهري، وهكذا تأثر الشاعر به من خلال قصيدته “هلال الخوف”، ذلك الهلال الذي دخل مع الشهر الكريم وجنود الاحتلال الإسرائيلي يمنعون الأطفال من الفرح والصلاة، والشباب من التجول والسهر في المقاهي وزيارة أضرحة أولياء الله. “هلال الخوف” قصيدة هبطت عليّ من السماء، بعد أن قرأت “رمضان كريم” لتوفيق زياد، فما كان مني إلا أن أمسكت بالرمح والدرع، ونهضت وكأني شبل أنازل الحب والحياة، ولا أخشى الموت ولا خزعبلات العدو في “المشكاة”، طرقت على الأبواب سعيًا وراء رؤية الهلال، وطمعًا في أن يلقي على جبهتي المهمومة بعضًا من حسناته وخيراته وأدعيته من خيرة المؤمنين والدعاة، فما كان مني أن أمسك بالورقة والقلم وأخط في غفلة من نوح الفؤاد وغدر الزمن، إنه “هلال الخوف” في جوف الحزن، إنها “هلال الخوف” قصيدتي العصماء في حب الوطن: “لا تصفو أبدًا أو تصفحْ لا تصبح فظًا أو تمرحْ ضم علينا ملفاتك وتعالَ إلينا نرقُب خيط ضياء فهلال الشهر عصيٌ وشروق الشمس الغائمة تجيء الليلة خائفة من تحت التلِ ملثمةً متدثرةً بالغيب الظاهرِ والفي الطاهرِ إذ يُفصحْ هلت أيامك أو ما هلتْ جئت إلينا ملتحيًا متشحًا بسواد الربوة من أعلى منحدرٍ يتوسم فيك كل الخير وصيامًا مقبولًا ودعاءً منقولًا من آخر نصٍ مكتوبٍ بالحبر السري والوردِ الغجري وبهاء الحسنِ المخفي جئت إلينا أو ما جئتْ “فانوسك” باركهُ الأبناء حملوه بأصابع تأكلها اللهفةِ والرعشةِ والإعياء غنوا معهُ أهلاً رمضان رمضان جاء رد عليهم شيخ الحارةِ عند الإفطار عودوا للدار قبل ظهور البدر الأصغر في الأنحاء رشوا الملح على أفقٍ منزوع الرؤية والأضواءْ هلت أيامك بقيامٍ وقعودٍ وتراتيلٍ ودعاءْ ما أُنزل في هذا الشهر ما أنزله ولاة الأمر وما يتواتر من أنباءْ وكأنا في يوم الحشر نكابد شمس الآخرة الكبرى والأعين في منتصف الرأس والنفس الأمارة بالتوبة من قدسٍ شرقية أو غربية أو لا قدسْ هذا لفيفٌ معتبرٌ يجتمع تباعًا من بعض الصحبة والجيران ينتظرون الإفطار قبل الإمساكِ بأيامٍ أو بضع ثوانْ يتناول أكثرهم شغفًا بصحيح القولِ ونفير المدفعِ والأذانْ يُفطر هذا الجمع على حبات التمر وبقايا الخبز الناشف واللبن الرائب والريحانْ فبأي الآلاءِ يُكذب أهل الفتنةِ والعدوانْ وبأي الأحلامِ نخوض غمار الموتِ وقلب النسوةِ تدمع قبل العينِ والقاذفةِ المسعورة تلو الأخرى تنقض على مائدة الرحمنْ كل ملائكة الرحمة تنهالُ على أرجاء الحي بأبابيلَ اللحظةِ والرحمةِ والغفرانْ هلت يا وطني آلهة النار وبعض قناديل الشارع تنطفئ تباعًا في أعماق العتمة والطوفانْ قمت لتوي منزعجًا من ذعري والبلدة تصرخ من هول الغارةِ وجحيم القصفْ رحل الضوء الخافت من آخر شمعات البيتْ رحلت وجهتنا الأولى نحو هلالِ الخوفْ”.

*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية