تهميش أوروبا وازدراؤها.. العيش في فقاعة السرد السوريالي (1)

| كمال الذيب

 بيّنت الأحداث الأخيرة والتحركات الدبلوماسية الأميركية في أكثر من ملف دولي، وخصوصًا ملف الحرب الروسية – الأوكرانية أن الدول الأوروبية باتت في وضع لا تحسد عليه، فاقدة الوزن في التأثير فيما يحدث في العالم، ولم تعد قادرة على فرض نفسها على الساحة العالمية، إن على صعيد الخطاب السياسي أو على صعيد الفعالية على الأرض، بعد أن فقدت دورها السابق في العلاقات الدولية، بسبب ارتمائها كلية في أحضان الولايات المتحدة الأميركية، والتعويل عليها في مختلف المجالات (التسلح - الأمن – التجارة والطاقة...)، فأدى ذلك ليس إلى تراجع دورها فحسب، بل وإلى تهميشها وتجاهلها في مفاوضات إنهاء الحرب في أوكرانيا. ومن المؤكد أنها فعلت بنفسها ذلك وتجني اليوم الثمار المرة لتلك التبعية التي جعلت منها قوة ذيلية غير فعالة وغير مؤثرة، لذلك تلوك اليوم بألم وفجيعة هذا الإذلال غير المسبوق لها.  لقد كانت الحرب على غزة على سبيل المثال فرصة للأوروبيين لاستعادة مكانتهم الاستراتيجية ودورهم التاريخي المعتاد في الشرق الأوسط، لكنهم فضلوا الاصطفاف وراء الموقف الأميركي المنحاز كلية إلى الإسرائيليين، فبدوا داعمين لحرب الإبادة وأصبحوا مجرد نسخة مكررة من الموقف الأميركي، وحدث نفس الشيء تقريبًا في الحرب الأوكرانية حيث دفعت بهم إدارة بايدن إلى حافة الحرب المباشرة مع روسيا وإلحاق أفدح الأضرار باقتصادياتهم ومصالح شعوبهم، باستخدام فوبيا التهديد الورسي. ففقدت استقلالية قرارها ودورها، وتراجعت مكانتها الاستراتيجية وفعاليتها في معظم القضايا الخارجية، أو القيام بدور مستقل وفعَّال في أوقات الأزمات.

لقد وضع الأوروبيون بيضهم في السلة الأميركية بالكامل. وتولى الأميركان تسيير معظم شؤون الناتو ومعظم تمويل الحرب في أوكرانيا، بهدف إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا. وبنوا منظورًا غير معقول ورؤية غير واقعية لهذا الموضوع، وقاموا بتحييد الدبلوماسية العادية واستبعادها تمامًا، وبنوا سرديات متطابقة مع معادلات المنطق الصوري التي لا علاقة لها بالواقع أو بالسياسة: (روسيا هي الشر ونحن الخير، فإن كنت مع روسيا فأنت مع الشر، وإن كنت معنا فأنت مع الخير وديمقراطي حتى وإن كنت غير ديمقراطي). وللحديث صلة.

كاتب وإعلامي بحريني