الحصان الميت!

| د. جاسم المحاري

قيل‭ ‬إنك‭ ‬لو‭ ‬اكتشفت‭ ‬نفسك‭ ‬راكبا‭ ‬على‭ ‬حصان‭ ‬ميت،‭ ‬فإن‭ ‬أفضل‭ ‬الحلول‭ ‬وأبسطها‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تنزل‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬صهوته‭ ‬وتتركه،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬الفعلي‭ ‬يفيد‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬أفرادا‭ ‬بأناسهم‭ ‬ومجموعات‭ ‬بمؤسساتها‭ ‬وبلدانا‭ ‬بشعوبها‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تنزل‭ ‬من‭ ‬على‭ ‬صهوة‭ ‬حصانها،‭ ‬تأتي‭ ‬بسرج‭ ‬جديد‭ ‬أو‭ ‬علف‭ ‬للحصان‭ ‬أو‭ ‬فارس‭ ‬آخر‭ ‬يركبه،‭ ‬أو‭ ‬عزل‭ ‬وتبديل‭ ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬يتولى‭ ‬رعايته‭ ‬أو‭ ‬عقد‭ ‬اجتماعات‭ ‬لمناقشة‭ ‬إجراءات‭ ‬زيادة‭ ‬سرعة‭ ‬الحصان‭ ‬أو‭ ‬تشكيل‭ ‬فرق‭ ‬تعمل‭ ‬لدراسة‭ ‬الحصان‭ ‬الميت‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬تقارير‭ ‬ومقترحات‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حل‭ ‬مشكلة‭ ‬هذا‭ ‬الحصان‭ ‬“الميت”،‭ ‬بل‭ ‬وتجدهم‭ ‬“يكابرون”‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬الحقيقة‭ ‬و”يوصون”‭ ‬بحاجته‭ ‬للتدريب‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬“ميت”‭ ‬لكي‭ ‬يقنِعوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬ومنْ‭ ‬حولهم‭ ‬بأنه‭ ‬“حي”‭ ‬يرزق‭!‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬تحدثوا‭ ‬به‭ ‬في‭ ‬محاولاتهم‭ ‬الفاشلة‭ ‬سبيلا‭ ‬لتجنب‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالمشكلة‭ ‬أو‭ ‬محاولة‭ ‬معالجتها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بقائهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬“الإنكار”‭ ‬للواقع‭ ‬الذي‭ ‬يضيع‭ ‬فيه‭ ‬الوقت‭ ‬ويهدر‭ ‬من‭ ‬أجله‭ ‬الجهد‭ ‬وتفقد‭ ‬لسببه‭ ‬الموارد؛‭ ‬لترتد‭ ‬تداعيات‭ ‬محاولاتهم‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭ ‬التي‭ ‬كلما‭ ‬اتسعت‭ ‬دائرتها‭ ‬اضطروا‭ ‬لدفع‭ ‬ثمنها‭ ‬الأكبر‭ - ‬وفق‭ ‬علماء‭ ‬نفس‭ ‬السلوك‭ ‬البشري‭ - ‬الذي‭ ‬يختار‭ ‬فيها‭ ‬الشخص‭ ‬سلوكا‭ ‬كهذا‭ - ‬أي‭ ‬إنكار‭ ‬الواقع‭ ‬‭- ‬وسيلة‭ ‬لتجنب‭ ‬الحقائق‭ ‬البائنة‭ ‬وحجب‭ ‬التجارب‭ ‬الناجحة‭ ‬ورفض‭ ‬المفاهيم‭ ‬الغالبة؛‭ ‬لإحلال‭ ‬الأفكار‭ ‬المتطرفة‭ ‬والميول‭ ‬الجدلية‭ ‬والتوجهات‭ ‬المزعجة‭ ‬عبر‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الحيل‭ ‬الدفاعية‭ ‬المنكرة‭ ‬للحقائق‭ ‬الظاهرة‭ ‬بواقعيتها‭ ‬والأفكار‭ ‬الصائبة‭ ‬بعقلانيتها‭ ‬التي‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تحدث‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬كامل‭ ‬بوقوعها؛‭ ‬لعلة‭ ‬يتيمة‭ ‬يقودها‭ ‬الشعور‭ ‬بالحزن‭ ‬والذنب‭ ‬والتهديد‭ ‬بآلياتها‭ ‬الإنكارية‭ ‬والإزاحية‭ ‬المختلفة‭. (‬

نافلة‭:‬إلقاء‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬الآخرين‭ ‬قبال‭ ‬مشاكلك‭ ‬أو‭ ‬مسؤولياتك‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬شابه،‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬الأساليب‭ ‬“الإنكارية”‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬سلوك‭ ‬دفاعي‭ ‬طبيعي‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬الأحداث‭ ‬الصعبة‭ ‬والتأني‭ ‬في‭ ‬مواجهتها‭ ‬وحسن‭ ‬التصرف‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬معها،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الوقت‭ ‬تستنفد‭ ‬قدرا‭ ‬لا‭ ‬يستهان‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬العقلية،‭ ‬وعجزا‭ ‬عن‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬حين‭ ‬الانغماس‭ ‬العميق‭ ‬الذي‭ ‬يضر‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينفع،‭ ‬وكأنه‭ ‬ذاك‭ ‬المريض‭ ‬الذي‭ ‬مات‭ ‬بعد‭ ‬نجاح‭ ‬العملية؛‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬احتواءه‭ ‬ومواجهته‭ ‬بالمحافظة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬الداعمين‭ ‬والتعمق‭ ‬في‭ ‬الفهم‭ ‬والاستيعاب‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأسباب‭ ‬والمخاوف‭ ‬والعواقب،‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬الأفكار‭ ‬والمشاعر‭ ‬بالتدوين‭ ‬أو‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬الثقات‭ ‬والمتخصصين‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬التأقلم‭ ‬السليمة‭ ‬وطرق‭ ‬التعامل‭ ‬الصحية،‭ ‬التي‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تحث‭ ‬على‭ ‬انتهاز‭ ‬فرص‭ ‬التغيير‭ ‬وتقبل‭ ‬الواقع‭ ‬ومواجهة‭ ‬المخاوف‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬تنظيرات‭ ‬الحصان‭ ‬الميت‭ ‬الهالكة‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني