آفاق جديدة للبحرين وماليزيا
| عبدالله بوقس
حين تتعانق السياسة مع الاقتصاد، وحين تلتقي المصالح بالرؤى، تولد تحالفات لا تُبنى على الورق فحسب، بل تُرسم على جسور الدبلوماسية، فتُشيّد بها صروح الشراكة، وتتداخل فيها خطوط الماضي بالحاضر لتكتب ملامح المستقبل.
في هذا الإطار، لم تكن زيارة رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إلى البحرين مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل منعطفًا استراتيجيًّا يعيد رسم ملامح علاقات امتدت لأكثر من خمسين عامًا، منتقلة إلى شراكة اقتصادية متينة تربط السياسة بالاستثمار والتنمية.
في أروقة الاجتماعات، حيث تتشابك وتُرسم ملامح الشراكات، لم يكن لقاء أنور إبراهيم مع العاهل البحريني جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة وسمو ولي العهد رئيس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة وكبار المسؤولين مجرد بروتوكول، بل تفاعلًا ديناميكيًّا بين الأرقام والطموحات، بين مساعي ماليزيا الاقتصادية وطموح البحرين كمركز مالي خليجي محوري.
في هذا الإطار المشترك، برزت نقاشات مكثفة حول التمويل الإسلامي، حيث اتُفق على تطوير التكنولوجيا المالية الإسلامية بآليات تتجاوز التقليد المصرفي، لتعزز استدامة الاقتصاد الإسلامي وتختبر مرونة التشريعات بين مقاصد الشريعة ومتطلبات السوق. ومن المتوقع إقرار هذه الاتفاقيات رسميًا قبل مايو، مما يجسد الانتقال من الرؤية إلى التطبيق.
غير أن الاقتصاد لا يزدهر في فراغ، بل يتطلب جسورًا جوية تعزز التواصل، لذا كان استئناف الرحلات المباشرة بين البحرين وماليزيا محور النقاش. وقد أعرب أنور عن اهتمامه بتوسيع الربط الجوي عبر طيران الخليج أو الخطوط الماليزية، مما يحول المسافة بين البلدين إلى فرص اقتصادية متبادلة.
في سياق أوسع، برز البعد الجيوسياسي في المشهد، حيث شدد أنور على ضرورة تعزيز العلاقات بين رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) ومجلس التعاون لدول الخليج العربية. وأشار إلى دور البحرين كشريك فاعل في القمة المرتقبة بين آسيان ودول الخليج والصين في مايو المقبل، مما يتيح آفاقًا جديدة للتعاون الدولي.
بلغة الأرقام التي ترسم ملامح المستقبل، سجل التبادل التجاري بين ماليزيا والبحرين 260 مليون دولار أميركي في عام 2024، مع ارتفاع الصادرات الماليزية بنسبة 17.4 %، مما يعكس تنامي الثقة البحرينية بالسوق الماليزية، خصوصًا في قطاعي النقل والتكنولوجيا. في المقابل، تظل البحرين موردًا رئيسًا للمعادن والألمنيوم، حيث تحتل مكانة عالمية كرابع أكبر مركز لمعالجة هذا المعدن، مما يعزز التكامل الاقتصادي بين البلدين.
الاقتصاد ليس مجرد أرقامٍ جامدة، بل هو نبضٌ يعكس تفاعل الشعوب واحتياجاتها، وهذا ما أكده أنور خلال مؤتمر الحوار الإسلامي في المنامة، حيث شدد على أن النهضة الاقتصادية يجب أن تكون متلازمة مع التزاماتٍ أخلاقية تجاه القضايا العادلة، وفي مقدمتها فلسطين وسوريا. وأكد أن التضامن لا ينبغي أن يبقى حبيس الشعارات، بل يجب أن يُترجم إلى دعمٍ اقتصاديٍ حقيقيٍ يشمل تطوير التعليم، وتحسين البنية التحتية، وخلق فرص العمل، فالأوطان لا تُبنى وسط الأزمات، بل تحتاج إلى تنميةٍ عادلةٍ واستثمارٍ مسؤول يعزز الاستقرار والازدهار المشترك.
في دلالة على الروابط الأخوية التي تخطت الطابع الرسمي، تزامنت زيارة أنور إبراهيم إلى المنامة مع زيارة السلطان إبراهيم بن إسكندر، ملك ماليزيا، مما أضفى بُعدًا يعكس عمق الشراكة بين البلدين. لم تكن اللقاءات مجرد اتفاقيات مكتوبة، بل تجسيدًا لعلاقات متشابكة، حيث يتقاطع الاقتصاد مع السياسة، والمصالح مع الرؤى، والطموحات المشتركة مع الفرص المتبادلة.
لم يعد السؤال اليوم عن جدوى الاتفاقيات، بل عن كيفية ترجمة هذه الرؤى إلى مشاريع حقيقية، وكيف ستتحول الخطط إلى واقع ملموس. ففي عالمٍ لا ينجو فيه إلا القادر على التكيف، ولا يزدهر إلا من يمتلك رؤية استراتيجية، تواجه ماليزيا والبحرين تحديًا يتجاوز التوقيع على الاتفاقيات إلى تنفيذها بفعالية، بما يعيد رسم خارطة التعاون بينهما. فكلا البلدين يدرك أن النجاح يكمن في استثمار الفرص قبل أن تتحول إلى أزمات، وبناء التحالفات الاستراتيجية قبل أن تفرضها الضرورات السياسية والاقتصادية.
صحفي وكاتب أندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور