السياسات المجنونة.. “اخلق الفوضى ثم أعد ترتيبها”! (2)

| كمال الذيب

 قد يبدو الخطاب الأميركي الموجه للخارج غير مستساغ، في بعض أوجهه، لكنه في الواقع خطاب له منطقه الخاص، ومبني على نظريات سياسية وإعلامية، تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام، ودفع الخصوم إلى مواقع دفاعية وإرباكهم، باستخدام التلاعب السياسي وطرح أفكار تبدو للوهلة الأولى مستحيلة لتتحول تدريجيًّا إلى أفكار محورية قابلة للنقاش والتنفيذ رغم غرابتها. لذلك فإن بعض ما أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا في أكثر من ملف، جعل العديد من أصدقاء الولايات المتحدة الأميركية، وحتى أقرب حلفائها يتساءلون عن طبيعة هذه التحولات التي بدأت تصيب سياسة الدولة الأقوى في العالم، وتحولها نحو خطاب عدائي حمائي فج، لا يميز بين الصديق والعدو في بعض الأحيان.  وتعتبر خطة تهجير الفلسطينيين من أرضهم في غزة، بعد أن دمرتها إسرائيل، مثالًا على منطق (اخلق الفوضى ثم أعد ترتيبها، أو دعها ترتب نفسها بنفسها ويتورّط فيها الآخرون)، كترجمة للعجز عن إعادة ترتيب الأزمة وفقًا للقواعد المستقرة في القانون الدولي، وعدم التوافق على وضع أسس لحل عادل متوازن محكوم برؤية يقبل بها أصحاب الشأن. إن هذا الخطاب يحمل في طياته رؤية قائمة على احتقار شعب كامل وتجريده من إنسانيته، ومن حقه في الحرية والاستقلال وتقرير مصيره. لذلك يفضي إلى تراجع التأثير الأميركي القيادي، ليس في المنطقة فحسب، بل في مختلف أرجاء العالم، بسبب ما تخلقه هذه السياسة من فوضى وارتباك يهزان أركان القانون الدولي والتعايش السلمي والتضامن الإنساني واحترام الحدود المستقرة والأعراف الدبلوماسية والاتفاقيات الدولية. 

 فالأوامر والتصريحات المتتالية باتت تصدر يوميًّا بشكل تصعب ملاحقته، وبوتيرة مربكة يصعب استيعابها والتعاطي معها، تفضي إلى مزيد من إغراق العالم في الفوضى التي تصعب إعادة ترتيبها بعد استفحالها.  إن مجرد امتلاك القوة والقدرة على مفاجأة العالم بمثل هذه المواقف الفجة، لا يخلق رؤية ولا يحقق قيادة جدية مؤثرة وفاعلة، إنما الأهم هو امتلاك القدرة على تحديد المشكلات وحلها بمنطق العدل. وإلا سيدخل العالم مرحلة جديدة يمكن تسميتها مرحلة ما بعد القانون الدولي. وللحديث صلة.

*كاتب وإعلامي بحريني