حرب الذكاء الاصطناعي بين مؤيدي التقنين وعدمه

| د. عبدالقادر ورسمه

انتهت‭ ‬أمس،‭ ‬12‭ ‬فبراير‭ ‬2025،‭ ‬أكبر‭ ‬قمة‭ ‬عالمية‭ ‬حول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬بقيادة‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬ورئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الهندي‭ ‬ومنظمة‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الصين‭ ‬صاحبة‭ ‬“الديب‭ ‬سيك”،‭ ‬ومئات‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وصدر‭ ‬القرار‭ ‬المدوي‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القمة،‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬أكبر‭ ‬قمة‭ ‬عالمية‭ ‬تُعقد‭ ‬لدراسة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتعامل‭ ‬معه‭. ‬والقرار‭ ‬المهم‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬ينادي‭ ‬بضرورة‭ ‬وضع‭ ‬التشريعات‭ ‬والقوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬لضبط‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وعدم‭ ‬ترك‭ ‬الأمور‭ ‬تسير‭ ‬دون‭ ‬ضوابط،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يغرق‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الفوضى‭. ‬وقفت‭ ‬فرنسا‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬غالبية‭ ‬الشركات‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭. ‬ومن‭ ‬الجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬والهند،‭ ‬وهما‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬دول‭ ‬التقنية،‭ ‬دعمتا‭ ‬القرار‭ ‬وأيدتا‭ ‬ضرورة‭ ‬التقنين‭ ‬والامتثال‭ ‬للأخلاق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

وهذا‭ ‬القرار،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى،‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬ليست‭ ‬ضد‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أو‭ ‬ضد‭ ‬التقدم‭ ‬التقني،‭ ‬ولكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬وفق‭ ‬الضوابط‭ ‬القانونية‭ ‬والأخلاقية،‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك‭ ‬ليتنافس‭ ‬المتنافسون‭ ‬وليحصد‭ ‬من‭ ‬يزرع‭ ‬لمصلحة‭ ‬البشرية‭. ‬ولا‭ ‬يفوتنا‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬نفس‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬تدعو‭ ‬له‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬أمينها‭ ‬العام،‭ ‬وبكل‭ ‬صراحة،‭ ‬إن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أخطر‭ ‬من‭ ‬“القنبلة‭ ‬الذرية”‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يوضع‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬الأنظمة‭ ‬القانونية‭ ‬والأخلاقية‭. ‬وبالطبع،‭ ‬يتفق‭ ‬الكثيرون‭ ‬ممن‭ ‬يهتمون‭ ‬بمستقبل‭ ‬البشرية‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬التوجهات‭ ‬المنطقية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬التقدم‭ ‬التقني‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬الآمن‭ ‬والسليم‭.‬

ومن‭ ‬جانبه،‭ ‬قال‭ ‬نائب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬الجديد،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬بباريس،‭ ‬إن‭ ‬أميركا‭ ‬ضد‭ ‬وضع‭ ‬الحواجز‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬التقدم‭ ‬التقني،‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُفسح‭ ‬له‭ ‬المجال‭ ‬لينمو‭ ‬ويتطور‭ ‬دون‭ ‬تدخل‭ ‬من‭ ‬الدول‭. ‬وبمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬لا‭ ‬حاجة‭ ‬للضوابط‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬ودعوا‭ ‬التقنية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تسير‭ ‬وفق‭ ‬هواها‭ ‬لتنتج‭ ‬ما‭ ‬تراه‭ ‬بحرية‭ ‬تامة،‭ ‬مطلقة،‭ ‬وبدون‭ ‬تحيز‭ ‬أو‭ ‬تفرقة‭ ‬أو‭ ‬تدخل‭ ‬من‭ ‬أحد‭. ‬وقال‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يسعى‭ ‬له‭ ‬هذا‭ ‬المؤتمر‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬خاصة‭ ‬الصين،‭ ‬يشكل‭ ‬ضربة‭ ‬وعقبة‭ ‬للشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬تتقدم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬ويجب‭ ‬عدم‭ ‬الوقوف‭ ‬في‭ ‬وجهها‭ ‬وفي‭ ‬تطورها‭. ‬وبالطبع،‭ ‬هذه‭ ‬نظرة‭ ‬ذاتية‭ ‬لا‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الانتهازية،‭ ‬حيث‭ ‬تؤثر‭ ‬مصلحة‭ ‬أمريكا‭ ‬وشركاتها‭ ‬على‭ ‬مصلحة‭ ‬باقي‭ ‬العالم‭.‬

لقد‭ ‬أيدت‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬الموقف‭ ‬الأميركي،‭ ‬وقالت‭ ‬بعدم‭ ‬وضع‭ ‬الضوابط‭ ‬أو‭ ‬الأنظمة‭ ‬لتكبيل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وتركه‭ ‬يسير‭ ‬على‭ ‬هداه‭ ‬حتى‭ ‬تتطور‭ ‬التقنية‭. ‬وفي‭ ‬نظرنا،‭ ‬هذا‭ ‬كلام‭ ‬حق‭ ‬يراد‭ ‬به‭ ‬باطل‭. ‬ونقول‭ ‬إنه‭ ‬لولا‭ ‬لجنة‭ ‬“يونسيترال”‭ ‬التي‭ ‬كونتها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لوضع‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬التقنية،‭ ‬لما‭ ‬استفاد‭ ‬منها‭ ‬العالم‭ ‬ولظلت‭ ‬عملاً‭ ‬تقنياً‭ ‬محضاً‭ ‬داخل‭ ‬الأجهزة‭ ‬“الهاردوير”،‭ ‬وهذا‭ ‬يشبه‭ ‬أدوات‭ ‬الجراحة‭ ‬في‭ ‬الرف‭ ‬دون‭ ‬يد‭ ‬الجراح‭ ‬الماهر،‭ ‬أو‭ ‬الطائرة‭ ‬رابضة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬دون‭ ‬كابتن‭ ‬ماهر‭. ‬نقول‭ ‬هذا،‭ ‬لأنه‭ ‬وبموجب‭ ‬قانون‭ ‬“يونسيترال”‭ ‬النموذجي،‭ ‬تم‭ ‬تقنين‭ ‬المعاملات‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬انطلق‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬التقنية‭ ‬“السوفتوير”‭ ‬وفق‭ ‬التشريع‭ ‬الحديث‭ ‬الذي‭ ‬منح‭ ‬التقنية‭ ‬القابلية‭ ‬القانونية‭ ‬في‭ ‬التعاملات‭.  

والأمثلة‭ ‬كثيرة‭ ‬ونجدها‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬التجارة‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والخدمات‭ ‬الحكومية‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والدفع‭ ‬الإلكتروني،‭ ‬والمعاملات‭ ‬المصرفية‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والفنتك‭.. ‬وغيرها،‭ ‬وكل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬سيتم‭ ‬لولا‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬شرعن‭ ‬وقنن‭ ‬هذه‭ ‬المعاملات‭ ‬التي‭ ‬غيرت‭ ‬وجه‭ ‬العالم‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها‭.‬

ومنذ‭ ‬بداية‭ ‬حياته‭ ‬ومع‭ ‬تطورها،‭ ‬صنع‭ ‬الإنسان‭ ‬الآلة‭ ‬لتخدمه‭ ‬حسب‭ ‬حاجته‭ ‬وتحت‭ ‬سيطرته‭ ‬التامة،‭ ‬فلماذا‭ ‬نترك‭ ‬الآلة‭ ‬الآن‭ ‬تعمل‭ ‬وفق‭ ‬إرادتها‭ ‬هي‭ ‬وبدون‭ ‬سيطرة‭ ‬الإنسان،‭ ‬وهي‭ ‬بلا‭ ‬فهم‭ ‬أو‭ ‬حواس؟‭ ‬قد‭ ‬تضر‭ ‬الإنسان‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعلم،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬تشعر‭ ‬بالندم،‭ ‬لأنها‭ ‬عديمة‭ ‬المشاعر‭ ‬وجامدة‭ ‬الإحساس‭. ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬شك،‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الآلة‭ ‬لتساعدنا‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬ولكن‭ ‬تحت‭ ‬سيطرتنا‭ ‬وبارادتنا‭ ‬التامة‭ ‬لتحقيق‭ ‬ما‭ ‬يفيد‭ ‬البشر‭. ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬ستكفله‭ ‬القوانين‭ ‬والضوابط‭ ‬الأخلاقية‭. ‬وبدون‭ ‬القانون،‭ ‬سنعود‭ ‬إلى‭ ‬شريعة‭ ‬الغاب،‭ ‬حيث‭ ‬القوي‭ ‬يدوس‭ ‬الضعيف،‭ ‬والآلة‭ ‬الجامدة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬بدمه‭ ‬وعظامه‭ ‬الرهيفة،‭ ‬وحدث‭ ‬ولا‭ ‬حرج‭. ‬