وقاحة الأمر الواقع

| سليم مصطفى بودبوس

تكاد‭ ‬تجمع‭ ‬كل‭ ‬التحاليل‭ ‬التي‭ ‬قرأتها‭ ‬بشأن‭ ‬تصريحات‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬أنّها‭ ‬الأشدّ‭ ‬وقاحة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬تصريحات‭ ‬الرؤساء‭ ‬الأميركيين؛‭ ‬فقد‭ ‬أعلن‭ ‬بمنتهى‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬النفس‭ ‬والاستخفاف‭ ‬بالآخرين‭ ‬أنّه‭ ‬يريد‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة‭ ‬وانتزاعه‭ ‬عنوة‭ ‬من‭ ‬سكانه‭ ‬الأصليين‭ ‬وتحويل‭ ‬ساحل‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬“ريفيرا‭ ‬أو‭ ‬كوت‭ ‬دازور‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط”‭ ‬بعد‭ ‬تهجير‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬قسرا‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬الأردن‭ ‬أو‭ ‬مصرأو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬المجاورة‭ ‬دون‭ ‬رجعة‭.‬

كرة‭ ‬النار‭ ‬التي‭ ‬ألقاها‭ ‬ترامب‭ ‬منذ‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬قرأها‭ ‬البعض‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬إلهاء‭ ‬للرأي‭ ‬العام‭ ‬العالمي‭ ‬عن‭ ‬الضرورات‭ ‬الملحة‭ ‬الآن‭ ‬وفي‭ ‬غزة‭ ‬تحديدا‭ ‬مثل‭ ‬ضرورة‭ ‬السماح‭ ‬بدخول‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الطبية‭ ‬والصحية‭ ‬للقطاع،‭ ‬ضرورة‭ ‬توفير‭ ‬الخيام‭ ‬للعائدين‭ ‬إلى‭ ‬بيوتهم‭ ‬المهدمة‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬القطاع،‭ ‬خصوصا‭ ‬مع‭ ‬سوء‭ ‬الأحوال‭ ‬الجوية،‭ ‬ضرورة‭ ‬تأمين‭ ‬عودة‭ ‬الأطفال‭ ‬إلى‭ ‬مدارسهم،‭ ‬وغيرها‭.. ‬كما‭ ‬قرأها‭ ‬آخرون‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬اختبار‭ ‬من‭ ‬ترامب‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي‭ ‬والموقف‭ ‬الرسمي‭ ‬العالمي‭ ‬والعربي‭ ‬خصوصا‭. ‬نعم‭ ‬هو‭ ‬اختبار‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي؛‭ ‬فلا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّ‭ ‬ترامب‭ ‬يعرفه‭ ‬تمام‭ ‬المعرفة،‭ ‬ولكن‭ ‬يتجاهله‭ ‬تمام‭ ‬التجاهل؛‭ ‬فبهذا‭ ‬المقترح‭ ‬يضرب‭ ‬بمبادئ‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬عرض‭ ‬الحائط‭ ‬كمبدأ‭ ‬“حقّ‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬المصير”‭ ‬المكرّس‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المعاهدات‭ ‬الدولية‭ ‬الملزمة،‭ ‬كما‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬اتفاقية‭ ‬جنيف‭ ‬الرابعة،‭ ‬المتعلّقة‭ ‬بحماية‭ ‬المدنيين‭ ‬وقت‭ ‬الحرب،‭ ‬والتي‭ ‬تحظر‭ ‬فعلياً‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬49‭ ‬النقل‭ ‬القسري،‭ ‬سواء‭ ‬بشكل‭ ‬جماعي‭ ‬أو‭ ‬فردي‭. 

وتعتبر‭ ‬ترحيل‭ ‬السكّان‭ ‬جريمةً‭ ‬ضدّ‭ ‬الإنسانية‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬7‭ (‬د‭) ‬من‭ ‬نظام‭ ‬روما‭ ‬الأساسي‭ ‬الذي‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭.‬‭. ‬فكيف‭ ‬ستتصرف‭ ‬هذه‭ ‬المنظمات‭ ‬مع‭ ‬وقاحة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب؟

كما‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬اختبار‭ ‬للموقف‭ ‬الرسمي‭ ‬العالمي؛‭ ‬فلا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التغوّل‭ ‬الأميركي‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬منذرٌ‭ ‬بتداعيات‭ ‬خطيرة،‭ ‬وستنقسم‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬بين‭: ‬صامت‭ ‬أخرس‭ ‬خشية‭ ‬توقف‭ ‬المساعدات‭ ‬الأميركية،‭ ‬ورافض‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬المزايدة‭ ‬لكسب‭ ‬نقاط‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬محاور‭ ‬الصراع‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬مجاله‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬ورافض‭ ‬وقوفا‭ ‬مع‭ ‬حق‭ ‬الشعوب‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬المصير‭. ‬فأين‭ ‬ستضع‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬نفسها‭ ‬إزاء‭ ‬وقاحة‭ ‬ترامب‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحتمل؟

ولعلّ‭ ‬المعنيّ‭ ‬الرئيسي‭ ‬بهذه‭ ‬التصريحات‭ ‬هو‭ ‬الموقف‭ ‬العربي‭ ‬الرسمي؛‭ ‬فقد‭ ‬سمّى‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬تصريحاته‭ ‬دولا‭ ‬بعينها‭ ‬ستكون‭ ‬موطنا‭ ‬جديدا‭ ‬لأهل‭ ‬غزة،‭ ‬أو‭ ‬موئلا‭ ‬لأحلام‭ ‬ترامب‭ ‬المؤجلة،‭ ‬لذا‭ ‬تنادت‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬لعقد‭ ‬قمة‭ ‬طارئة‭ ‬نهاية‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الخروج‭ ‬بموقف‭ ‬عربي‭ ‬رسمي‭ ‬موحّد،‭ ‬موقف‭ ‬لن‭ ‬ننتظر‭ ‬فيه‭ ‬مفاجآت؛‭ ‬فلا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّه‭ ‬سيؤكّد‭ ‬على‭ ‬الثوابت‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬مصيرهم‭ ‬وحل‭ ‬الدولتين‭ ‬ورفض‭ ‬فكرة‭ ‬التهجير‭ ‬القسري‭ ‬للفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭. ‬أم‭ ‬هل‭ ‬يكون‭ ‬للعرب‭ ‬رأي‭ ‬آخر؟

كرة‭ ‬ترامب‭ ‬النارية‭ ‬ليست‭ ‬مجانية،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬دون‭ ‬مكاسب،‭ ‬وفي‭ ‬صورة‭ ‬عدم‭ ‬تحقيق‭ ‬ترامب‭ ‬لكلّ‭ ‬ما‭ ‬يرمي‭ ‬إليه،‭ ‬فإنه‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬سيجرّ‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬إلى‭ ‬مفاوضات‭ ‬يطمح‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬منها‭ ‬بالقدر‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬له‭ ‬وللكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬حليفه‭ ‬الأبدي‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬