رؤية مغايرة

| فاتن حمزة

وأنا‭ ‬أتابع‭ ‬تصريح‭ ‬نتنياهو‭ ‬بخصوص‭ ‬إنشاء‭ ‬دولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬في‭ ‬السعودية،‭ ‬وردود‭ ‬الفعل‭ ‬الرسمية‭ ‬والشعبية،‭ ‬استحضرت‭ ‬قصة‭ ‬من‭ ‬تراثنا‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬سليمان‭ ‬عليه‭ ‬السّلام‭ ‬رأى‭ ‬عصفورا‭ ‬يقول‭ ‬لعصفورته‭ ‬لو‭ ‬شئت‭ ‬أخذت‭ ‬قبّة‭ ‬سليمان‭ ‬بمنقاري‭ ‬فألقيتها‭ ‬في‭ ‬البحر،‭ ‬فتبسّم‭ ‬سليمان‭ ‬من‭ ‬كلامه‭ ‬ثم‭ ‬قال‭ ‬للعصفور‭ ‬أتطيق‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬فقال‭ ‬لا‭ ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬اللّه،‭ ‬لكن‭ ‬المرء‭ ‬قد‭ ‬يزيّن‭ ‬نفسه‭ ‬ويعظمها‭ ‬عند‭ ‬زوجته‭.‬

فهذا‭ ‬الغارق‭ ‬في‭ ‬مستنقع‭ ‬الهزائم‭ ‬المتتالية‭ ‬منذ‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬جُل‭ ‬كلامه‭ ‬موجه‭ ‬للداخل‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬للمحافظة‭ ‬على‭ ‬ائتلافه‭ ‬الهش،‭ ‬ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬الانشغال‭ ‬به،‭ ‬ولا‭ ‬تصديق‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬نسمع،‭ ‬فهناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬تفسيرات‭ ‬لكل‭ ‬قصة‭: ‬تفسيرك‭ ‬وتفسير‭ ‬غيرك‭ ‬والحقيقة‭ !‬فعندما‭ ‬قال‭ ‬فرعون‭ ‬أنا‭ ‬ربكم‭ ‬الأعلى،‭ ‬كان‭ ‬تفسيري‭ ‬أنه‭ ‬يخاطب‭ ‬جمهوره‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬وتفسير‭ ‬غيري‭ ‬أنه‭ ‬علو‭ ‬وكفر،‭ ‬أما‭ ‬الحقيقة‭ ‬فقد‭ ‬ظهر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الرب‭ ‬الأعلى‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬السباحة‭ ‬وغرق‭ ‬في‭ ‬البحر‭.‬‭ ‬إن‭ ‬التصريحات‭ ‬السياسية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬المعقدة‭ ‬التي‭ ‬نعيشها،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تمحيص‭ ‬وتفكير‭ ‬عميق،‭ ‬فكما‭ ‬أن‭ ‬العصفور‭ ‬في‭ ‬قصة‭ ‬سليمان‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬كان‭ ‬يتحدث‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬القوة‭ ‬الموهومة،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬القادة‭ ‬السياسيين،‭ ‬مثل‭ ‬نتنياهو،‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬الكلمات‭ ‬كأداة‭ ‬للتمويه‭ ‬والتلاعب‭ ‬بالمشاعر‭. ‬إذا،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفهم‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل؟‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعي‭ ‬أن‭ ‬تصريحاتهم‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬موجهة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬معينة‭ ‬داخلية،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬تتعلق‭ ‬بالاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬تعزيز‭ ‬الشعور‭ ‬بالقوة‭. ‬إن‭ ‬الاستجابة‭ ‬الشعبية‭ ‬أو‭ ‬الرسمية‭ ‬لهذه‭ ‬التصريحات‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬عرضة‭ ‬للتأثر‭ ‬بمزاج‭ ‬اللحظة،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬موضوعية‭. 

ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نتذكر‭ ‬أن‭ ‬فهمنا‭ ‬للأحداث‭ ‬السياسية‭ ‬ليس‭ ‬ثابتًا،‭ ‬فكل‭ ‬حدث‭ ‬له‭ ‬أبعاد‭ ‬متعددة،‭ ‬وتفسيرنا‭ ‬له‭ ‬يتأثر‭ ‬بخلفياتنا‭ ‬الثقافية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬لذا،‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬نتبنى‭ ‬منظورًا‭ ‬شاملًا،‭ ‬يتيح‭ ‬لنا‭ ‬رؤية‭ ‬الصورة‭ ‬الكاملة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬صغيرة‭ ‬قد‭ ‬تضللنا‭.‬

يجب‭ ‬أن‭ ‬نتجنب‭ ‬الانجرار‭ ‬وراء‭ ‬الدعاية‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تقودنا‭ ‬إلى‭ ‬تصورات‭ ‬غير‭ ‬واقعية،‭ ‬فالتاريخ‭ ‬يعلمنا‭ ‬أن‭ ‬الأمور‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬دائمًا‭ ‬كما‭ ‬يخطط‭ ‬لها‭ ‬القادة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬مؤلمة،‭ ‬تبقى‭ ‬دائمًا‭ ‬موجودة،‭ ‬وهي‭ ‬التي‭ ‬ستظهر‭ ‬في‭ ‬النهاية‭.‬

وفي‭ ‬الختام‭ ‬نقول‭.. ‬حق‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الشقيق‭ ‬سيبقى‭ ‬راسخاً،‭ ‬ولن‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬سلبه‭ ‬منه‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬الزمن،‭ ‬والسلام‭ ‬الدائم‭ ‬لن‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬العقل،‭ ‬والقبول‭ ‬بمبدأ‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭.‬