موقف نبيل ولا أروع

| زهير توفيقي

في‭ ‬عالم‭ ‬الرياضة،‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تُستخدم‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬كأداة‭ ‬تجمع‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬التنافس‭ ‬الشريف‭ ‬والتواصل‭ ‬الثقافي‭. ‬لكن،‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر‭ ‬تبرز‭ ‬هذه‭ ‬اللعبة‭ ‬وجهها‭ ‬الإنساني‭ ‬الذي‭ ‬يتخطى‭ ‬حدود‭ ‬الملاعب‭ ‬ليُعبر‭ ‬عن‭ ‬قيم‭ ‬التضامن‭ ‬والإنسانية،‭ ‬فكرة‭ ‬القدم‭ ‬تعتبر‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الألعاب‭ ‬شعبية،‭ ‬ولها‭ ‬حضور‭ ‬جماهيري‭ ‬كبير‭ ‬وغير‭ ‬مسبوق،‭ ‬فهي‭ ‬تكون‭ ‬مثالية‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعر‭ ‬ومواقف‭ ‬الجماهير‭ ‬لأية‭ ‬قضية‭ ‬سواء‭ ‬رياضية‭ ‬أو‭ ‬إنسانية‭. ‬وقد‭ ‬جسّد‭ ‬نادي‭ ‬بودو‭ ‬غليمت‭ ‬النرويجي‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬على‭ ‬أكمل‭ ‬وجه‭ ‬عندما‭ ‬قرر‭ ‬تخصيص‭ ‬كامل‭ ‬إيرادات‭ ‬مباراته‭ ‬ضد‭ ‬نادي‭ ‬مكابي‭ ‬تل‭ ‬أبيب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬ضمن‭ ‬منافسات‭ ‬الجولة‭ ‬السابعة‭ ‬في‭ ‬بطولة‭ ‬الدوري‭ ‬الأوروبي،‭ ‬والتي‭ ‬أقيمت‭ ‬بتاريخ‭ ‬23‭ ‬يناير‭ ‬المنصرم‭ ‬لصالح‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬للصليب‭ ‬الأحمر،‭ ‬لدعم‭ ‬جهود‭ ‬الإغاثة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬

المباراة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تنافسي‭ ‬في‭ ‬الدوري‭ ‬الأوروبي‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬لإيصال‭ ‬رسالة‭ ‬نبيلة‭ ‬وإنسانية،‭ ‬فقد‭ ‬أعلن‭ ‬النادي‭ ‬النرويجي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬البيان‭ ‬الذي‭ ‬نشر‭ ‬عبر‭ ‬حسابه‭ ‬في‭ ‬منصة‭ ‬“إكس”‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬عائدات‭ ‬التذاكر‭ ‬ستُتبرع‭ ‬للصليب‭ ‬الأحمر،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬استهدفت‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬معاناة‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭ ‬الذين‭ ‬يعيشون‭ ‬ظروفا‭ ‬إنسانية‭ ‬مأساوية‭ ‬صعبة،‭ ‬فقد‭ ‬ذكر‭ ‬بيان‭ ‬النادي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نتجاهل‭ ‬أو‭ ‬نظهر‭ ‬غير‭ ‬متأثرين‭ ‬بالمعاناة‭ ‬والانتهاكات‭ ‬للقانون‭ ‬الدولي،‭ ‬والتي‭ ‬تتكشف‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬رغم‭ ‬أننا‭ ‬فريق‭ ‬كرة‭ ‬قدم،‭ ‬ولسنا‭ ‬طرفا‭ ‬سياسيا،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬التمييز‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬الرياضة‭ ‬والسياسة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬لكننا‭ ‬نريد‭ ‬المضي‭ ‬قدما‭ ‬وفق‭ ‬النظام‭ ‬الداخلي‭ ‬الخاص‭ ‬بنا‭ ‬الذي‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬مبادئنا‭ ‬وفخرنا‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬ملاعب‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭. 

وتابع‭ ‬البيان‭: ‬“الآن‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نظهر‭ ‬للجميع‭ ‬أننا‭ ‬نضع‭ ‬أفعالنا‭ ‬وراء‭ ‬أقوالنا،‭ ‬وقررنا‭ ‬التبرع‭ ‬بجميع‭ ‬عائدات‭ ‬التذاكر‭ ‬التي‭ ‬حصلنا‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬الفريق‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬أرضنا‭ ‬إلى‭ ‬منظمة‭ ‬الصليب‭ ‬الأحمر‭ ‬وتخصيصها‭ ‬لأعمال‭ ‬الإغاثة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬منوهًا‭ ‬بأن‭ ‬مجموع‭ ‬ما‭ ‬حصلنا‭ ‬عليه‭ ‬هو

735000‭  ‬كرونة‭ ‬نرويجية‭ (‬تعادل‭ ‬65‭ ‬ألف‭ ‬دولار‭ ‬أميركي‭) ‬ونريد‭ ‬التبرع‭ ‬بها‭ ‬بالكامل”‭.‬

هذا‭ ‬الموقف‭ ‬يلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬لعدة‭ ‬أمور‭. ‬أولاً،‭ ‬يُظهر‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬للرياضة‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬التضامن‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬الإنسانية‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التجاذبات‭ ‬السياسية‭. ‬وثانياً،‭ ‬يُبرز‭ ‬شجاعة‭ ‬الفريق‭ ‬النرويجي‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬موقف‭ ‬أخلاقي‭ ‬يُعبر‭ ‬عن‭ ‬التزامه‭ ‬بالقيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬رغم‭ ‬حساسية‭ ‬الموضوع‭.‬

ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬الفريق‭ ‬هو‭ ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬لعبة،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬قوية‭ ‬تُسهم‭ ‬في‭ ‬لفت‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬القضايا‭ ‬العادلة‭. ‬والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬أنها‭ ‬تُظهر‭ ‬للعالم‭ ‬أن‭ ‬التضامن‭ ‬الإنساني‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مكان،‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬ملعب‭ ‬لكرة‭ ‬القدم‭.‬

من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري‭ ‬الشخصية‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الرائعة‭ ‬تستحق‭ ‬كل‭ ‬الإشادة‭ ‬والتقدير،‭ ‬فبينما‭ ‬يختار‭ ‬البعض‭ ‬الصمت،‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يُفضّل‭ ‬أن‭ ‬يستخدم‭ ‬منصته‭ ‬لإحداث‭ ‬فرق‭. ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الرياضة‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬توحّد‭ ‬الشعوب‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬تنافسية،‭ ‬فإنها‭ ‬قادرة‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬جمعهم‭ ‬حول‭ ‬قيم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والتعاطف،‭ ‬وبصراحة‭ ‬شديدة‭ ‬وبعيدا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬اختلاف‭ ‬في‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المواقف،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النادي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متوقعا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬نرفع‭ ‬له‭ ‬القبعة‭.‬

وللأمانة‭ ‬فإن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬إعجابي‭ ‬الجملة‭ ‬التي‭ ‬ذكرت‭ ‬في‭ ‬البيان‭ ‬وهي‭ ‬“الآن‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نظهر‭ ‬للجميع‭ ‬أننا‭ ‬نضع‭ ‬أفعالنا‭ ‬وراء‭ ‬أقوالنا”‭. ‬لأننا‭ ‬للأسف‭ ‬أثبتنا‭ ‬للعالم‭ ‬أننا‭ ‬شعوب‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬سوى‭ ‬الكلام‭ ‬والشجب‭ ‬والاستنكار‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يغني‭ ‬ولا‭ ‬يسمن‭ ‬من‭ ‬جوع‭.‬

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه،‭ ‬وفقط‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تبادر‭ ‬أية‭ ‬جهة‭ ‬بعمل‭ ‬مشابه‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أية‭ ‬لعبة‭ ‬أخرى‭. ‬وفي‭ ‬اعتقادي‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬جمع‭ ‬المال،‭ ‬فإن‭ ‬تسجيل‭ ‬التعاطف‭ ‬والدعم‭ ‬المعنوي‭ ‬أمر‭ ‬مهم‭ ‬جدا‭ ‬لإيصال‭ ‬صوت‭ ‬الشعب‭ ‬المناصر‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭.‬