“فلوريس” الأندونيسية تهمس بالفرص

| عبدالله بوقس

‭ ‬تبرز‭ ‬جزيرة‭ ‬فلوريس‭ ‬Flores‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬الأرخبيل‭ ‬الإندونيسي،‭ ‬كأرض‭ ‬لم‭ ‬تُكتشف‭ ‬بعد‭ ‬بكامل‭ ‬إمكانياتها‭ ‬الاستثمارية‭ ‬والسياحية‭. ‬تقع‭ ‬هذه‭ ‬الجزيرة‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬أميال‭ ‬من‭ ‬صخب‭ ‬جزيرة‭ ‬بالي‭ ‬الشهيرة،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬عذريتها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬حيث‭ ‬المنافسة‭ ‬لم‭ ‬تبلغ‭ ‬ذروتها،‭ ‬والأسعار‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬جذابة‭ ‬مقارنةً‭ ‬بالوجهات‭ ‬السياحية‭ ‬المشبعة‭.‬

‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬الجزيرة،‭ ‬تقف‭ ‬لابوان‭ ‬باجو‭ (‬Labuan Bajo‭) ‬مدينة‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬زمنين،‭ ‬حيث‭ ‬تتلاقى‭ ‬القوارب‭ ‬التقليدية‭ ‬بسفن‭ ‬الرحلات‭ ‬السياحية،‭ ‬ويتداخل‭ ‬هدير‭ ‬البحر‭ ‬مع‭ ‬صخب‭ ‬الأسواق،‭ ‬وكأنها‭ ‬نقطة‭ ‬عبور‭ ‬بين‭ ‬عالمين‭. ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬مقدمة‭ ‬لمشهد‭ ‬أعمق،‭ ‬إذ‭ ‬ما‭ ‬إن‭ ‬يبتعد‭ ‬الزائر‭ ‬عن‭ ‬الميناء‭ ‬حتى‭ ‬يبدأ‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬المنسي‭.‬

‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬يطل‭ ‬على‭ ‬الميناء،‭ ‬جلست‭ ‬مع‭ ‬ماركو،‭ ‬مستثمر‭ ‬إيطالي‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬إندونيسيا‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬عقدين‭. ‬وهو‭ ‬يتأمل‭ ‬فنجان‭ ‬الإسبريسو،‭ ‬قال‭: ‬“قبل‭ ‬أكثر‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا،‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬سوى‭ ‬الصيادين‭ ‬والرحالة،‭ ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فالاستثمارات‭ ‬تتدفق‭ ‬كما‭ ‬تتوافد‭ ‬النوارس‭ ‬مع‭ ‬المدّ”‭.‬

الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬لاسيما‭ ‬الأوروبية‭ ‬في‭ ‬فلوريس‭ ‬ارتفعت‭ ‬بنسبة‭ ‬47‭ %  ‬منذ‭ ‬2018،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الضيافة‭ ‬الفاخرة،‭ ‬مدفوعة‭ ‬بمبادرة‭ ‬الحكومة‭ ‬الإندونيسية‭ ‬لتطوير‭ ‬“الوجهات‭ ‬العشر‭ ‬الجديدة”‭ ‬كمنافسة‭ ‬لبالي،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬طابعها‭ ‬البيئي‭ ‬الفريد‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬تشكّل‭ ‬تحديًا،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الفرصة‭ ‬متاحة‭ ‬لمن‭ ‬يسبق‭ ‬غيره‭.‬

فلوريس‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحتفظ‭ ‬بإمكانيات‭ ‬استثمارية‭ ‬كبيرة‭ ‬بفضل‭ ‬طبيعتها‭ ‬المتنوعة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُستغل‭ ‬بالكامل‭ ‬بعد‭. ‬في‭ ‬واي‭ ‬ريبو‭ (‬Wae Rebo‭)‬،‭ ‬القرية‭ ‬المعزولة‭ ‬بين‭ ‬الجبال،‭ ‬يعيش‭ ‬السكان‭ ‬بتناغم‭ ‬مع‭ ‬البيئة،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬موقعًا‭ ‬واعدًا‭ ‬لمشاريع‭ ‬السياحة‭ ‬البيئية‭ ‬التي‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬الطابع‭ ‬المحلي‭. ‬أما‭ ‬جزيرة‭ ‬بادار‭ (‬Padar Island‭)‬،‭ ‬بتدرجات‭ ‬شواطئها‭ ‬الفريدة‭ ‬بين‭ ‬الوردي‭ ‬والذهبي‭ ‬والأسود،‭ ‬فهي‭ ‬توفر‭ ‬فرصة‭ ‬استثنائية‭ ‬لإنشاء‭ ‬منتجعات‭ ‬سياحية‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬الطبيعي‭ ‬النادر،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬وجهة‭ ‬جاذبة‭ ‬للسياح‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬تجارب‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭.‬

‭ ‬ثم‭ ‬يأتي‭ ‬المشهد‭ ‬الأكثر‭ ‬بدائية‭ ‬في‭ ‬حديقة‭ ‬كومودو‭ ‬الوطنية‭  (‬Komodo National Park‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬تتحرك‭ ‬التنانين‭ ‬القديمة‭ ‬بثقل‭ ‬الزمن،‭ ‬كتذكير‭ ‬بأن‭ ‬الطبيعة‭ ‬لم‭ ‬تتغير،‭ ‬وأن‭ ‬الصراع‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يحكم‭ ‬المشهد‭. ‬أما‭ ‬بحيرة‭ ‬كيلي‭ ‬موتو‭  (‬Kelimutu Crater Lake‭)‬،‭ ‬فتأخذ‭ ‬الغموض‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬آخر،‭ ‬حيث‭ ‬تتغير‭ ‬ألوان‭ ‬مياهها‭ ‬بلا‭ ‬نمط‭ ‬ثابت،‭ ‬وكأنها‭ ‬تجسيد‭ ‬لتحولات‭ ‬الحياة‭.‬

عند‭ ‬الشاطئ‭ ‬الوردي‭ (‬Pink Beach‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يعانق‭ ‬الغروب‭ ‬صفحة‭ ‬البحر،‭ ‬بدت‭ ‬فلوريس‭ ‬كسرّ‭ ‬لم‭ ‬يُفَكَّ‭ ‬شفْرته‭ ‬بعد‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬البدائية‭ ‬والسحر،‭ ‬تظل‭ ‬الفرص‭ ‬مفتوحة‭ ‬لمن‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬الرهان‭. ‬فهل‭ ‬يكون‭ ‬المستكشف‭ ‬القادم‭ ‬مستثمرًا،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الجمال‭ ‬وحده‭ ‬سيبقى‭ ‬سيد‭ ‬المشهد؟

صحفي‭ ‬وكاتب‭ ‬أندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور