الرّياحُ “الماكرة”!

| د. جاسم المحاري

‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬تبدو‭ ‬سماته‭ ‬في‭ ‬قلة‭ ‬الصبر‭ ‬وقلقه‭ ‬السريع‭ ‬وانعدام‭ ‬تسامحه‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬حين‭ ‬تتناقض‭ ‬الأمور‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬خطط‭ ‬له،‭ ‬بل‭ ‬ويصعب‭ ‬عليه‭ ‬تقبّل‭ ‬النقد‭ ‬والإحساس‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭ ‬بمهاجمة‭ ‬الآخرين‭ ‬له،‭ ‬واندفاعه‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬يندم‭ ‬عليها،‭ ‬كما‭ ‬تظهر‭ ‬معاناته‭ ‬في‭ ‬فقدان‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مشاعر‭ ‬غضبه‭ ‬وحساسيته‭ ‬السريعة‭ ‬التي‭ ‬يتأذى‭ ‬فيها‭ ‬لأتفه‭ ‬الأسباب،‭ ‬والشعور‭ ‬بالأسى‭ ‬والتفكير‭ ‬الزائد‭ ‬لصاحب‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ ‬ذات‭ ‬التقلبات‭ ‬المزاجية‭ ‬المُتشكلة‭ ‬كظاهرة‭ ‬تصف‭ ‬سرعة‭ ‬مشاعره‭ ‬وشدّة‭ ‬تدفق‭ ‬عواطفه‭ ‬على‭ ‬المحيطين‭ ‬من‭ ‬الأهل‭ ‬والأصدقاء‭ ‬والجيران‭ ‬والزملاء‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬والعمل‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وتأثيرها‭ ‬على‭ ‬حالتهم‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬يصعب‭ ‬فيها‭ ‬تشكيل‭ ‬علاقات‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬علاقاته‭ ‬الحالية‭ ‬لوقوعه‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬المشاعر‭ ‬المتضاربة‭ ‬بين‭ ‬السعادة‭ ‬الفائقة‭ ‬والرضا‭ ‬إلى‭ ‬الغضب‭ ‬والضيق‭.‬

‭ ‬يُفترض‭ ‬عدم‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الشخصية‭ - ‬المزاجية‭ ‬–‭ ‬وبين‭ ‬الشخصية‭ ‬العاطفية‭ ‬التي‭ ‬يستغرق‭ ‬وجودها‭ ‬بضع‭ ‬دقائق‭ ‬فقط،‭ ‬بينما‭ ‬تكون‭ ‬المزاجية‭ ‬أكثر‭ ‬غموضًا‭ ‬لعدم‭ ‬وجود‭ ‬شيء‭ ‬محدد‭ ‬يجعل‭ ‬المزاج‭ ‬يتغير‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬لآخر،‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬العاطفية‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬موقف‭ ‬ما‭ ‬أو‭ ‬شخص‭ ‬معين‭ ‬أو‭ ‬أمر‭ ‬محدد‭ ‬في‭ ‬ارتباط‭ ‬المزاج‭ ‬بالعواطف،‭ ‬بمعنى‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الحالة‭ ‬المزاجية‭ ‬سيئة‭ ‬تنتابها‭ ‬عواطف‭ ‬سلبية‭ ‬غالبًا،‭ ‬أو‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬الحالة‭ ‬المزاجية‭ ‬جيدة؛‭ ‬فإنها‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬المشاعر‭ ‬الإيجابية‭ ‬من‭ ‬سعادة‭ ‬وأمل‭ ‬وحب‭ ‬للحياة‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬أورده‭ ‬النفسانيون‭ ‬نصًّا‭. (‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬استطاعة‭ ‬بعض‭ ‬الأشخاص‭ ‬تحديد‭ ‬الشرارة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تُسبب‭ ‬تغيّرًا‭ ‬في‭ ‬مزاجهم،‭ ‬إلا‭ ‬أنّ‭ ‬الشائع‭ ‬أنْ‭ ‬تحدث‭ ‬التقلّبات‭ ‬المزاجية‭ ‬دون‭ ‬سبب‭ ‬واضح،‭ ‬فيما‭ ‬قد‭ ‬يختبر‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬منهم‭ ‬تغيّرا‭ ‬في‭ ‬مشاعرهم‭ ‬لبعض‭ ‬الاعتلالات‭ ‬المرضية‭ ‬والوراثية‭ ‬أو‭ ‬لجملة‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬الفكرية‭ ‬والنفسية‭. ‬

نافلة‭:‬

كيان‭ ‬الشخص‭ ‬كفرد‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬تقع‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬التقلبات‭ ‬المزاجية،‭ ‬هي‭ ‬كالرياح‭ ‬–‭ ‬الموسمية‭ ‬أو‭ ‬الصاعدة‭ ‬أو‭ ‬القطبية‭ ‬أو‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬الساحلية‭ - ‬بتيارها‭ ‬الهوائي‭ ‬المُتدفق‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬بتقلّباته‭ ‬الصريرية‭ ‬الهائجة‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ (‬26‭) ‬يومًا‭ ‬ويُطلق‭ ‬عليها‭ ‬“الماكرة”‭ ‬حين‭ ‬تبقى‭ ‬مضطربة‭ ‬وتنعدم‭ ‬فيها‭ ‬حالة‭ ‬الاستقرار‭ ‬على‭ ‬جهة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬الأربع‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ (‬هجمات‭) ‬برودتها‭ ‬القارسة‭ ‬وسرعة‭ ‬تغير‭ ‬نسماتها‭ ‬المتناوبة‭ ‬التي‭ ‬“تصفرّ”‭ ‬فيها‭ ‬الأجسام‭ ‬من‭ ‬كثرة‭ ‬الأمراض‭ ‬الجسدية‭ ‬ويصعب‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬بالداء‭ ‬النفسي‭ ‬دون‭ ‬شعور‭ ‬بالراحة‭ ‬أو‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬حساسيته‭ ‬عن‭ ‬التأثر‭ ‬الشديد‭ ‬الذي‭ ‬لابدّ‭ ‬من‭ ‬تجنبه‭ ‬بتفهم‭ ‬ما‭ ‬يمرّون‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬ظروف‭ ‬تختلط‭ ‬بها‭ ‬المشاعر‭ ‬السلبية‭ ‬المحبطة،‭ ‬كما‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬الهدوء‭ ‬والتجاهل‭ ‬والاستعداد‭ ‬لتقلباته‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وضع‭ ‬الحدود‭ ‬الشخصية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تمّ‭ ‬تخطيها‭ ‬بتعسر‭ ‬في‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما؛‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬إنهاءها‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تبقى‭ ‬“ضحية”‭ ‬لمزاجيته‭ ‬العكرة‭.‬

 

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني