اختبار ترامب الجديد

| سليم مصطفى بودبوس

‭ ‬واضح،‭ ‬صريح،‭ ‬جريء‭ ‬وبراغماتي،‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬رجل‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬أو‭ ‬رجل‭ ‬المرحلة‭ ‬الجديدة‭ ‬في‭ ‬العالم‭.. ‬عقلية‭ ‬أميركية‭ ‬بامتياز‭: ‬يملك‭ ‬زمام‭ ‬المبادرة،‭ ‬ويريد‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬أجندته‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭. ‬منذ‭ ‬تنصيبه‭ ‬يصول‭ ‬ويجول،‭ ‬يهدّد‭ ‬ويتوعّد،‭ ‬يُمْضي‭ ‬الأوامر‭ ‬التنفيذية‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬ومن‭ ‬الأونروا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأوامر،‭ ‬ويَمْضي‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬وكأنه‭ ‬الحاكم‭ ‬بأمره‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬هزّ‭ ‬الوجدان‭ ‬العربي‭ ‬والفلسطيني‭ ‬تصريحاته‭ ‬المتكررة‭ ‬عن‭ ‬الهجرة‭ ‬الطوعية‭ ‬كحل‭ ‬“مؤقت”‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬إعمار‭ ‬غزة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تحتاج‭ ‬من‭ ‬10‭ ‬إلى‭ ‬15‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬قوله‭.‬

لا‭ ‬شكّ‭ ‬أنّ‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بهذه‭ ‬التصريحات‭ ‬قبيل‭ ‬استقبال‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬قدّم‭ ‬هدية‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬ينتظرها‭ ‬نتنياهو‭ ‬ولا‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬ولا‭ ‬سموتريش،‭ ‬لكنها‭ ‬نزلت‭ ‬بردًا‭ ‬وسلامًا‭ ‬على‭ ‬قلوبهم؛‭ ‬لأنهم‭ ‬يعرفون‭ ‬أن‭ ‬الرجل‭ ‬يسبق‭ ‬فعلُه‭ ‬القولَ،‭ ‬وله‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬ولايته‭ ‬من‭ ‬الهدايا‭ ‬للكيان‭ ‬ما‭ ‬به‭ ‬يستمر‭ ‬لعقود‭ ‬أخرى‭. ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬لا‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬استمرار‭ ‬الهدنة‭ ‬واستكمال‭ ‬مراحلها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬كمن‭ ‬ينكأ‭ ‬الجراح‭ ‬ويصب‭ ‬الزيت‭ ‬على‭ ‬النار،‭ ‬أو‭ ‬كمن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬حيلة‭ ‬لاستئناف‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬غزة‭. ‬فهذه‭ ‬التصريحات‭ ‬تكشف‭ ‬الوجه‭ ‬الحقيقي‭ ‬والغاية‭ ‬القديمة‭ ‬الجديدة‭ ‬للحرب‭ ‬على‭ ‬غزة‭ ‬وهي‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬أو‭ ‬التهجير‭ ‬القسري‭ ‬للسكان‭ ‬الأصليين‭ ‬للقطاع‭ ‬واللاجئين‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حرب‭ ‬مسعورة‭ ‬مدعومة‭ ‬بكل‭ ‬الأشكال‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض‭ ‬مهما‭ ‬اختلف‭ ‬ساكنوه‭.‬

مقترح‭ ‬“الهجرة‭ ‬الطوعية”‭ ‬سبقته‭ ‬محاولات‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬استمرّت‭ ‬طيلة‭ ‬15‭ ‬شهرًا‭ ‬بقوة‭ ‬الحديد‭ ‬والنار،‭ ‬لكن‭ ‬دون‭ ‬جدوى‭. 

‭ ‬إذْ‭ ‬أظهرت‭ ‬جموع‭ ‬الغزيين‭ ‬وهم‭ ‬يعودون‭ ‬إلى‭ ‬شمال‭ ‬غزة‭ ‬مشيا‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭ ‬إصرارًا‭ ‬وعزيمة‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬لأن‭ ‬مفاتيح‭ ‬البيوت‭ ‬بأيديهم‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬هدّمت‭ ‬البيوت،‭ ‬وأكّدوا‭ ‬أنهم‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬ضد‭ ‬المحتل‭ ‬قد‭ ‬كذّبوا‭ ‬مقولة‭ ‬بن‭ ‬غوريون‭ ‬مؤسس‭ ‬الكيان‭ ‬الصهيوني‭ ‬بأنّه‭ ‬“إذا‭ ‬مات‭ ‬الكبار‭ ‬فإنّ‭ ‬الصغار‭ ‬سينسون”،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬ولن‭ ‬ينسوْا،‭ ‬ولن‭ ‬تُغريهم‭ ‬مقترحات‭ ‬الهجرة‭ ‬الطوعية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬لأنهم‭ ‬قد‭ ‬تعوّدوا‭ ‬إعمار‭ ‬غزة‭ ‬وهم‭ ‬فيها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تعرضت‭ ‬مرارًا‭ ‬قبل‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬للتخريب‭ ‬والتدمير‭.‬

لقد‭ ‬سبق‭ ‬وأن‭ ‬اقترحت‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬الكيان‭ ‬عام‭ ‬1956‭ ‬ترحيل‭ ‬أهل‭ ‬غزة،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬شيء‭. ‬واليوم‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬رفض‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬عمومًا‭ ‬والغزيين‭ ‬خصوصًا‭ ‬فكرة‭ ‬الهجرة‭ ‬الطوعية،‭ ‬فقد‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬المواقف‭ ‬العالمية‭ ‬والعربية‭ ‬الرافضة‭ ‬لحل‭ ‬التهجير‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬مسمّاه‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬غاياته‭.‬

‭ ‬إنّ‭ ‬أفكار‭ ‬ترامب‭ ‬ومقترحاته‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬إلا‭ ‬إصرارًا‭ ‬وتشبثًا‭ ‬بأرضهم،‭ ‬لكن‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يترك‭ ‬لهم‭ ‬هذا‭ ‬الصلف‭ ‬الأميركي‭ ‬سوى‭ ‬خيار‭ ‬المقاومة‭ ‬بكل‭ ‬أشكالها‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬الدعوات‭ ‬العربية‭ ‬والعالمية‭ ‬إلى‭ ‬التهدئة‭ ‬والتفاوض‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭. ‬فهل‭ ‬يتنازل‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬مقترح‭ ‬الهجرة‭ ‬الطوعية؟‭.‬