درب التوظيف بالخوارزميّات

| غسان الشهابي

‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬النُّواب‭ ‬–‭ ‬تحدث‭ ‬باسمهم‭ ‬الدّكتور‭ ‬منير‭ ‬سرور‭ ‬–‭ ‬قدّمت‭ ‬مقترحًا‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬يتمثّل‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الذّكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬ترشيح‭ ‬الوظائف‭ ‬للباحثين‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬بما‭ ‬يسهّل‭ ‬التّوظيف،‭ ‬ويقلّل‭ ‬التّلاعب،‭ ‬ويوفّر‭ ‬الشّفافية‭ ‬والعدالة‭ ‬بين‭ ‬الباحثين‭ ‬عن‭ ‬وظائف،‭ ‬لأنّ‭ ‬الخوارزميّات‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬أنّ‭ ‬فلانًا‭ ‬“من‭ ‬ربعنا”‭ ‬ولا‭ ‬تعترف‭ ‬بالانتماءات‭ ‬الحزبية،‭ ‬أو‭ ‬الدينية،‭ ‬أو‭ ‬تسأل‭: ‬“ولد‭ ‬من‭ ‬أنت؟”،‭ ‬بل‭ ‬ستنظر‭ ‬في‭ ‬الأوراق‭ ‬المقدَّمة‭ ‬إليها‭ ‬وحسب،‭ ‬وبذلك‭ ‬تتاح‭ ‬الفرص‭ ‬لمن‭ ‬يستحقّ‭ ‬بحسب‭ ‬طبيعة‭ ‬كلّ‭ ‬وظيفة‭.‬

‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحدّ‭ ‬فإنّ‭ ‬المقترح‭ ‬المطروح‭ ‬من‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬يكون،‭ ‬وأنّ‭ ‬رمز‭ ‬العدالة‭ ‬المعصوب‭ ‬العينين،‭ ‬الممسك‭ ‬بميزان‭ ‬معتدل‭ ‬الكفّتين،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يطمح‭ ‬إليه‭ ‬النّواب‭ ‬أصحاب‭ ‬الاقتراح،‭ ‬وهو‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يتنادى‭ ‬به‭ ‬النّاس‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭ ‬منعًا‭ ‬لأيّ‭ ‬انزلاق‭ ‬عاطفيّ‭ ‬طبيعيّ،‭ ‬أو‭ ‬انحراف‭ ‬مبيّت‭ ‬النّيّات‭ ‬في‭ ‬مسألة‭ ‬التّوظيف‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬من‭ ‬المسائل‭ ‬الحرجة،‭ ‬والتي‭ ‬قد‭ ‬تنبئ‭ ‬بتبعات‭ ‬سيّئة‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يجر‭ ‬الالتفات‭ ‬الجادّ‭ ‬لها‭. ‬ولكنّ‭ ‬الذّكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يعتمد‭ ‬أساسًا‭ ‬على‭ ‬تغذية‭ ‬البشر‭ ‬له،‭ ‬فهو‭ ‬يرى‭ ‬ما‭ ‬يرون،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإنّ‭ ‬عددًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬من‭ ‬الشّركات‭ ‬العالمية‭ ‬تقوم‭ ‬بإخضاع‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬طلبات‭ ‬التّوظيف‭ ‬التي‭ ‬تتدفّق‭ ‬عليها،‭ ‬لبرامج‭ ‬فحص‭ ‬طلبات‭ ‬التّوظيف‭ ‬“ATS”‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تقوم‭ ‬خوارزميّاتها‭ ‬باستبعاد‭ ‬واستقطاب‭ ‬المتقدّمين‭ ‬لهذه‭ ‬الوظائف‭ ‬بحسب‭ ‬من‭ ‬قام‭ ‬بتزويدها‭ ‬بالمعلومات‭ ‬المطلوبة،‭ ‬وكيف‭ ‬أثّرت‭ ‬ثقافة‭ ‬المبرمجين‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭.‬

‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬تبادل‭ ‬أصحاب‭ ‬برامج‭ ‬ATS‭ ‬الابتسامات‭ ‬والتّهاني‭ ‬بأنهم‭ ‬انتهوا‭ ‬من‭ ‬الشّكاوى‭ ‬القائلة‭ ‬بالتّحيّز؛‭ ‬فوجئوا‭ ‬بأنّ‭ ‬عليهم‭ ‬العودة‭ ‬مجدّدًا‭ ‬إلى‭ ‬شاشاتهم‭ ‬وإعادة‭ ‬البرمجة‭ ‬مرّات‭ ‬ومرّات‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يظلم‭ ‬البرنامج‭ ‬المتقدّمين،‭ ‬لأنّ‭ ‬المبرمجين‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬دقيقين‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬هذا‭ ‬النّظام‭. 

‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يرى‭ ‬أناسًا‭ ‬بسبب‭ ‬العِرق،‭ ‬أو‭ ‬النَّوع،‭ ‬أو‭ ‬الدّيانة،‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬الملامح‭ ‬الأخرى‭ ‬للمتقدّمين،‭ ‬بينما‭ ‬تطلب‭ ‬شركات‭ ‬كبرى‭ ‬سِيَرًا‭ ‬ذاتية‭ ‬يطرحها‭ ‬أصحابها‭ ‬على‭ ‬منصّة‭ ‬“لينكدإن”،‭ ‬ولكن‭ ‬برامج‭ ‬فحص‭ ‬الطّلبات‭ ‬تتم‭ ‬برمجتها‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬وتفضيلات‭ ‬محدّدة‭ ‬لدى‭ ‬صاحب‭ ‬السّيرة‭ ‬الذّاتية،‭ ‬فإنْ‭ ‬كتبها‭ ‬نال‭ ‬حظّ‭ ‬تسليط‭ ‬الضّوء‭ ‬عليه‭ (‬وليس‭ ‬التّوظيف‭)‬،‭ ‬أمّا‭ ‬الآخرون‭ ‬–‭ ‬وإن‭ ‬كانوا‭ ‬أكفأ‭ ‬ولم‭ ‬يكتبوا‭ ‬ما‭ ‬تقرأه‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬–‭ ‬فسيكونون‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬المعتمة،‭ ‬ويتساءلون‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬عدم‭ ‬توظيفهم‭ ‬على‭ ‬الرّغم‭ ‬من‭ ‬أنّهم‭ ‬أكفأ‭ ‬من‭ ‬آخرين‭!‬

لا‭ ‬شكَّ‭ ‬أن‭ ‬النيّات‭ ‬التي‭ ‬انطلق‭ ‬منها‭ ‬النّواب‭ ‬أصحاب‭ ‬الاقتراح‭ ‬كانت‭ ‬حسنة‭ ‬وطيّبة،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬طريق‭ ‬طويل‭ ‬جدًّا‭ ‬لتحقيق‭ ‬ما‭ ‬نصبو‭ ‬إليه‭.‬