نحن أصغر من القضية.. “لا تسر في جنازتي إلا إذا كنت تعرفني”!
| كمال الذيب
من الواضح أن القضية الفلسطينية تتجه إلى “نكبة أخرى محتملة”، بعد تحول الموضوع إلى صراع مفتوح مع الإدارة الأميركية الجديدة التي تبنت بشكل كامل موقف أقصى اليمين الإسرائيلي، شاملًا: التوسع على حساب الأراضي الفلسطينية والسورية واللبنانية، )باعتبار أن أرض إسرائيل صغيرة -( والتهجير العلني والإجباري لسكان غزة على حساب مصر والأردن، تمهيدًا لتصفية القضية الفلسطينية، وفرض هيمنة إسرائيل وتفوقها على الجميع، وإجبار العرب على القبول بالأمر الواقع الجديد.
“النكبة الجديدة” تُصنع خيوطها الأساسية حاليًّا في واشنطن، بعد أن أنجزت إسرائيل الجزء المطلوب منها على أرض غزة المدمرة، وتنجزها حاليًّا في الضفة الغربية تمهيدًا لضمها إلى الأراضي الإسرائيلية بعد تفريغها من سكانها الأصليين. ويبدو أن احتمالات النكبة الجديدة تتجاوز فلسطين المحتلة لتصبح نكبة عربية شاملة، وحتى من بقيت لديهم بعض الكرامة فإنهم يرغبون في طيّ الصفحة بأي ثمن، وبعضهم يعلن صراحة تنصّله من القضية، وبعضهم انضم إلى صفوف المحتجين - تعبيرًا عن الانحياز لبقايا القضية - وبعضهم يرفض حتى مجرد الاحتجاج أصلًا، احترامًا لنصيحة الشاعر محمود درويش: “لا تسر في جنازتي إلا إذا كنت تعرفني.. لا أريد مجاملة من أحد!”.
السؤال الموجع: يا ترى من أين يأتي العرب بمثل هذه القدرة غير الاعتيادية على التأقلم مع هذه الأوضاع البائسة، وابتلاع المذلة ونسيان الحقوق المهدورة وخفض جناح الذل لكل الاحتمالات: قوميون إذا كانت الغلبة للقوميين فقط، مناضلون إذا كانت الغلبة للمناضلين فقط. (
ومسالمون إذا كانت الغلبة للمسالمين فقط، ولكنهم يخفقون إن حاولوا أن يبرهنوا أنهم صادقون حتى وإن كانت الغلبة للصادقين.
فاعذرونا أيها المسافرون للمجهول، فنحن أصغر من القضية، اعذرونا فنحن نبايع السلامة، ذاكرتنا مثقوبة وإرادتنا مشلولة وقلوبنا مفطورة، وعقولنا مسلوبة. اعذرونا، فلم نعد قادرين على الالتزام حتى مع أنفسنا، أو مع ما بقي من تاريخنا وهويتنا. لقد ابتلعنا للتو الأقراص المهدئة للكرامة، وتجرعنا وصفة التبريرات للنسيان، لننعم بالسلامة للاطمئنان على بقائنا الممسوخ!.
*كاتب وإعلامي بحريني