مملكة البحرين أيقونة المواسم الروسية
| د.محمد الزكري
ليلة (27 يناير 2025م) على خشبة المسرح الوطني البحريني، شاهدت واستمعت إلى الحضارة الروسية غائرة في جسد المواسم الروسية (Russian Seasons). شاهدت واستمعت إلى 63 عازفا وعازفة يقودهم قائد الأوركسترا المايسترو فاليري جيرجيف، ليلة البارحة أقنعتني مدينة سانت بطرسبرغ عبر مسرحها (أوركسترا مارينسكي) الذي تأسس عام 1783 أن آلات الموسيقى تتحدث، تتجادل، تحنو، وتعشق بعضها بعضًا، بل وتعبر عن مشاعر الإنسان، ونبضات وجوده اليومية، وغاياته الأزلية. وضع المايسترو فاليري جيرجيف استراتيجية فريدة رسمها لشخص مثلي لا يمتلك عمقًا ثقافيًا في فن الأوركسترات، حيث اختار للمستمع 9 مقاطع مقتطعة من أجساد سيمفونيات طوال خالدات. أخذنا 63 عازفا وعازفة إلى حديقة صوتية متعددة الزهور تنتمي إلى تسع فصائل من الأنواع. كل مشهد سيمفوني يثير ذائقاتنا السمعية عبر فاصلة مقتطعة من معزوفات ألفها أشخاص مختلفون للتعبير عن قصص مختلفة. وضعنا المايسترو فاليري جيرجيف في قارب نهري وسار بنا عبر 9 تضاريس فنية غير متكررة. - مقطع من تأليف ميخائيل غلينكا من الأوبرا روسلان وليودميلا. - مقطع من تأليف نيكولاي ريمسكي-كورساكوف من الأوبرا عروس القيصر. - مقطع من تأليف نيكولاي ريمسكي-كورساكوف من كابريتشو إسبانيول. - مقطع من تأليف بيتر إليتش تشايكوفسكي من الأوبرا ملكة البستوني. - مقطع من تأليف بيتر إليتش تشايكوفسكي من كسارة البندق. - مقطع من تأليف فرانشيسكو تشيليا من الأوبرا أدريانا ليكوفير. - مقطع من تأليف موديست موسورسكي من فجر على نهر موسكفا. - مقطع من تأليف جاكومو بوتشيني من الأوبرا توسكا. - مقطع من تأليف إيغور سترافينسكي من طائر النار.
تخللت الأداء المعزوفي مشاركتان غنائيتان، لا يمكن وصف الغناء الأوبرالي للأوبرالي فلاديسلاف سوليمسكي (Vladislav Sulimsky)، ولا حتى وصف ما صنعته بنا الأوبرالية تاتيانا سيرجان (Tatiana Serzhan). حناجر قوية متمكنة من التنقل من مقام إلى مقام محدثة تأثيرات وجدانية في الحضور، وملامسة خوافي مشاعرنا. كما أن ذائقات الحضور لم تنشغل فقط سمعيًا، بل أيضًا بصريًا، عندما استحوذ على انتباه الحضور روعة السينوغرافيا الرقمية (Scenography). ذُهِلنا جميعًا برؤية التصاميم الرقمية الخلفية المصاحبة للمقطوعات السيمفونية. استخدم الطاقم الرقمي التابع لأوركسترا مارينسكي الوسائط الرقمية بشكل متزايد وإبداعي لتصميم تجارب بصرية أكثر ثراءً، ومرافقة للتقلبات التي تحدثها المقطوعات السيمفونية. ولتحقيق ذلك، يتم الجمع بين تقنيات عرض الصور والبرامج لإنشاء سيناريوهات قادرة على التغيير ديناميكيًا أثناء الأوبرا، والتفاعل مع السيمفونية في الوقت الفعلي، محدثةً جدلة فنية لامستنا سمعيًا وبصريًا. البارحة كانت مملكة البحرين أيقونة في السماء الروسية، وكان مسرح البحرين الوطني حقلًا استكشافيًا. تعرف المثقف الروسي على البحريني، والمثقف البحريني على الروسي. هذا الحقل التعارفي كان بحق هو السيمفونية الثقافية التي عزفت ليلة البارحة. مكونات السيمفونية من ترومبت وتوبا وقيثارات وبيانو تشيلو وكونترباص وفلوت وأوبوا وكلارينيت وباصون وبوق، كل منها يحدث صوتًا يحمل بصمة وهوية ونبرة مختلفة. الجمال لم يكن قائمًا على إيقاع ولحن تحدثه آلة واحدة. السيمفونية ليست مساحة للتفرد عبر آلة واحدة. السيمفونية فن السماح لنبرات آلات مختلفة في تركيبات هوياتها من أن تتداخل بشكل ينتج مختلطًا صوتيًا اسمه سيمفونية، لكي تلامس الأذن، لكي تؤكد لنا أننا بتنوعنا أجمل.
*كاتب بحريني