بين قرار العودة وخيار التهجير
| سليم مصطفى بودبوس
تزامن يوم عودة سكان قطاع غزة من الجنوب إلى الشمال منذ أيام قليلة مع ذكرى الإسراء والمعراج، وظهرت تلك الجموع الحاشدة من أهل غزة في شكل طوفان بشريّ وكأنهم في يوم حشر بعد أن عطلهم استكبار الاحتلال ومنعهم من الالتحاق بأطلال بيوتهم في الشمال، محاولا بذلك تقديم الغزيين في صورة مهينة وهم في محشر بشري ينتظرون الفرج منه والإذن بفتح الطريق للعبور، ولتظهر إسرائيل أمام الرأي العام الداخلي والدولي في صورة القوي الجبار صاحب القرار.. لكنّ الصورة انقلبت أمام العالم وظهر أهل غزة بإصرارهم على العودة في كبرياء وأنفة بالرغم من ملامح الوجوه المتعبة، يهتفون بتكبيرات العيد، في مسيرة العودة الشعبية الحاشدة إلى غزة. ولم يكن المحتلّ الغاصب يعلم أنّ يوم العودة الذي تأجّل قليلا - بعد التعطيل - قد اكتسب رمزية روحية وقدسية؛ فقد تزامن مع ذكرى الإسراء والمعراج، هذه الذكرى الإسلامية التي أكسبت فلسطين وبيت المقدس رمزية دينية لدى المسلمين عبر التاريخ كونها مسرى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس ومنها عرج به إلى السماء، لذا سيكون من المستحيل على الذاكرة الفلسطينية والعربية والإسلامية نسيان هذه المسيرة الشعبية الخالدة؛ فقد تحالف التاريخ مع الجغرافيا ليسطر معجزة أخرى للشعب الفلسطيني حين أصرّ على قراره بالعودة إلى دياره المهدّمة مع ما يحفّ هذه العودة من مخاطر عديدة ليس أقلّها الألغام والقنابل التي لم تنفجر بعد. لكنّ قنبلة سياسية جديدة فجّرها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وهو بَعدُ في أيامه الأولى في رئاسة البيت الأبيض، حين طرح مسألة التهجير المؤقت أو طويل الأمد للغزيين إلى الأردن أو مصر أو غيرها من الأماكن.
في محاولة جديدة يائسة بائسة للتخلص من الثقل الديموغرافي للفلسطينيين ليتضح أنّ الخطة كانت على مرحلتين: مرحلة التدمير الإسرائيلي الممنهج لغزة والضفة الغربية بالتفجير والهدم والمصادرة والاعتقال والاغتيال والاضطهاد وتقييد الحركة، ثم مرحلة التهجير الأميركي بتحفيز الفلسطينيين على خيار التهجير تحت شعار “الهجرة الطوعية”؛ لأنّ غزة لم تعد تصلح للحياة، لكن هيهات. فلو كان حسم القضية الفلسطينية - على أنها قضية ديموغرافية - بهكذا حلول لحُسمت منذ منتصف القرن العشرين، فبعض التاريخ أعاد نفسه.. لكنّ القضية أبعد من ذلك بكثير: “إنّها حقّ الشعب الفلسطينيّ في تقرير مصيره وإقامة دولته على أرضه، وليس حقّ من لا يملك لمن لا يستحقّ”.
*كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية