ابتسامات تايلاند تُلهم الخليج

| عبدالله بوقس

‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬يسعى‭ ‬العالم‭ ‬فيه‭ ‬للتغلب‭ ‬على‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وتنوع‭ ‬مصادر‭ ‬الدخل،‭ ‬تبرز‭ ‬تايلاند‭ ‬كقصة‭ ‬نجاح‭ ‬ملهمة،‭ ‬حيث‭ ‬استطاعت‭ ‬تحويل‭ ‬قطاع‭ ‬السياحة‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬قوي‭ ‬للنمو‭ ‬والاستدامة‭. ‬“أرض‭ ‬الابتسامات”،‭ ‬كما‭ ‬تُعرف،‭ ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بجمال‭ ‬طبيعتها‭ ‬الخلابة،‭ ‬بل‭ ‬أعادت‭ ‬صياغة‭ ‬مفهوم‭ ‬السياحة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مزج‭ ‬التراث‭ ‬بالأصالة‭ ‬والابتكار‭.‬

عام‭ ‬2024‭ ‬كان‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬نجاح‭ ‬تايلاند،‭ ‬حيث‭ ‬استقبلت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬35‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬سائح‭ ‬دولي،‭ ‬متجاوزة‭ ‬التوقعات‭ ‬ومحققة‭ ‬إيرادات‭ ‬تجاوزت‭ ‬46‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أميركي،‭ ‬فيما‭ ‬تطمح‭ ‬استقبال‭ ‬39‭ ‬مليونًا‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬وفقًا‭ ‬لتقارير‭ ‬هيئة‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬تايلاند‭.‬

‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬مصادفة،‭ ‬بل‭ ‬جاءت‭ ‬نتيجة‭ ‬سياسات‭ ‬مدروسة‭ ‬شملت‭ ‬تسهيل‭ ‬إجراءات‭ ‬التأشيرات،‭ ‬تخفيف‭ ‬سياسات‭ ‬الهجرة،‭ ‬وتوسيع‭ ‬شبكات‭ ‬الطيران،‭ ‬مما‭ ‬جعلها‭ ‬وجهة‭ ‬مفضلة‭ ‬للمسافرين‭ ‬من‭ ‬شتى‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬350‭ ‬ألف‭ ‬سائح‭ ‬خليجي،‭ ‬بزيادة‭ ‬بلغت‭ ‬28‭ % ‬عن‭ ‬العام‭ ‬السابق‭. ‬هذا‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬يعكس‭ ‬فهمًا‭ ‬عميقًا‭ ‬لاحتياجات‭ ‬السياح‭ ‬الخليجيين،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬الطعام‭ ‬الحلال،‭ ‬وحتى‭ ‬المنتجعات‭ ‬الفاخرة‭ ‬التي‭ ‬تحتضن‭ ‬العائلات‭ ‬وتلبي‭ ‬متطلباتهم‭.‬

ما‭ ‬يميز‭ ‬تايلاند‭ ‬أنها‭ ‬تفهم‭ ‬احتياجات‭ ‬زوارها‭. ‬للسائح‭ ‬الخليجي،‭ ‬الذي‭ ‬يولي‭ ‬اهتمامًا‭ ‬بالطعام‭ ‬الحلال‭ ‬والرفاهية‭ ‬العائلية،‭ ‬قدمت‭ ‬تايلاند‭ ‬تجارب‭ ‬فريدة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬المنتجعات‭ ‬الفاخرة،‭ ‬الجولات‭ ‬الثقافية،‭ ‬إلى‭ ‬الفعاليات‭ ‬الموسمية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬العام‭ ‬خاليًا‭ ‬من‭ ‬التحديات‭. ‬انخفاض‭ ‬أعداد‭ ‬السياح‭ ‬بنسبة‭ ‬5‭.‬73‭ % ‬أواخر‭ ‬العام‭ ‬بسبب‭ ‬الفيضانات‭ ‬كان‭ ‬بمثابة‭ ‬اختبار‭ ‬لمرونة‭ ‬القطاع‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تعافي‭ ‬تايلاند‭ ‬السريع‭ ‬أظهر‭ ‬قوة‭ ‬بنيتها‭ ‬التحتية‭ ‬ورؤيتها‭ ‬الاستراتيجية‭.‬

بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬موارد‭ ‬طبيعية‭ ‬فريدة‭ ‬ومواقع‭ ‬سياحية‭ ‬متميزة،‭ ‬يبدو‭ ‬درس‭ ‬تايلاند‭ ‬جديرًا‭ ‬بالدراسة‭. ‬فبدلًا‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬الحصري‭ ‬على‭ ‬السياحة‭ ‬التقليدية،‭ ‬يمكن‭ ‬لهذه‭ ‬الدول‭ ‬تطوير‭ ‬قطاعها‭ ‬السياحي‭ ‬عبر‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬تجارب‭ ‬مبتكرة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬مختلف‭ ‬الثقافات،‭ ‬وتنمية‭ ‬السياحة‭ ‬البيئية‭ ‬والثقافية‭.‬

تجربة‭ ‬تايلاند‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬السياحة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬صناعة‭ ‬لجذب‭ ‬الأموال،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جسر‭ ‬للتواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬والثقافي‭. ‬إنها‭ ‬حكاية‭ ‬تُحكى‭ ‬برؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الطبيعة‭ ‬الساحرة‭ ‬والتجربة‭ ‬الإنسانية‭. ‬وكما‭ ‬أثبتت‭ ‬“أرض‭ ‬الابتسامات”،‭ ‬النجاح‭ ‬يتطلب‭ ‬استراتيجية‭ ‬شاملة‭ ‬تتجاوز‭ ‬تقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬قيمة‭ ‬مستدامة‭ ‬تؤثر‭ ‬إيجابيًّا‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭ ‬والزوار‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

تايلاند،‭ ‬بهذا‭ ‬النموذج،‭ ‬تدعو‭ ‬العالم،‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬خاصة،‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬بالسياحة‭ ‬كوسيلة‭ ‬للتغيير‭ ‬الإيجابي،‭ ‬وكأداة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تشكيل‭ ‬مستقبل‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة‭ ‬واتصالًا‭. ‬فالابتسامة،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬البداية،‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬وحدها؛‭ ‬الرؤية‭ ‬والاستثمار‭ ‬هما‭ ‬ما‭ ‬يصنعان‭ ‬الفرق‭.‬