كي لا يتحوّل الشباب إلى كباب!

| سيد ضياء الموسوي

لتنجح‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬تشريع‭ ‬قانون‭ ‬تحريم‭ ‬دخول‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬السياسة،‭ ‬وفصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬مع‭ ‬احترام‭ ‬وحرية‭ ‬كل‭ ‬دين‭ ‬ومذهب‭.‬

إن‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬الطوائف‭ ‬والأديان‭ ‬غير‭ ‬مؤهلين‭ ‬لقيادة‭ ‬إدارة‭ ‬مزرعة‭ ‬دواجن‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬إدارة‭ ‬دولة؛‭ ‬لأنهم‭ ‬بمجرد‭ ‬وصولهم‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬سيدخلون‭ ‬في‭ ‬ثقافة‭ ‬الفتاوى،‭ ‬وهناك‭ ‬فرق‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬العقول‭ ‬الفتوائية‭ ‬والعقول‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لإدارة‭ ‬الحكم‭.‬

أقول‭: ‬بمجرد‭ ‬وصول‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬إلى‭ ‬السلطة،‭ ‬سيسقطون‭ ‬في‭ ‬فوبيا‭ ‬حرية‭ ‬المرأة،‭ ‬وعفريت‭ ‬خوف‭ ‬عدم‭ ‬حجابها،‭ ‬وكراهية‭ ‬الموسيقى‭ ‬والغناء،‭ ‬وسيتخذون‭ ‬من‭ ‬الحداثة‭ ‬عدوًا،‭ ‬ومن‭ ‬الجمال‭ ‬بعبعًا،‭ ‬وسيرتعدون‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬فتاة‭ ‬ذهبت‭ ‬إلى‭ ‬مقهى‭ ‬أو‭ ‬لبست‭ ‬ثوبًا‭ ‬جميلًا‭ ‬أو‭ ‬وضعت‭ ‬عطرًا،‭ ‬وسيفرضون‭ ‬عليها‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬الثامنة‭ ‬لبس‭ ‬حجاب‭ ‬وعباءة،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬شيء‭.‬

أغلبهم‭ ‬فنانون‭ ‬في‭ ‬التنغيص‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬وتكريههم‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬وتحريم‭  ‬أبسط‭ ‬أمور‭ ‬السعادة‭ ‬والاستمتاع‭ ‬على‭ ‬الناس،‭ ‬وبلغ‭ ‬بهم‭ ‬الهوس‭ ‬المرضي‭ ‬إلى‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬التنغيص‭ ‬على‭ ‬الشباب‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الاحتفال‭ ‬بفوز‭ ‬في‭ ‬مباراة‭ ‬أو‭ ‬جلوس‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬خميس‭ ‬مع‭ ‬الأهل،‭ ‬أو‭ ‬التصفيق‭ ‬فرحًا‭ ‬في‭ ‬عرس،‭ ‬أو‭ ‬سماع‭ ‬أغنية‭ ‬عابرة‭ ‬لفيروز‭ ‬أو‭ ‬وضع‭ ‬امرأة‭ ‬مسكينة‭ ‬لحجاب‭ ‬ملون‭!‬

لا‭ ‬توجد‭ ‬لا‭ ‬آية‭ ‬ولا‭ ‬رواية‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬لبس‭ ‬اللون‭ ‬الأسود،‭ ‬بل‭ ‬المرأة‭ ‬لها‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الاختيار‭.‬

ما‭ ‬هذا‭ ‬الغثيان‭ ‬ومن‭ ‬أعطاهم‭ ‬حق‭ ‬التدخل‭ ‬بشؤوننا؟

وإلى‭ ‬متى‭ ‬تبقى‭ ‬الناس‭ ‬صامتة‭ ‬ولا‭ ‬تكسر‭ ‬حاجز‭ ‬الخوف؟

بالتوازن‭ ‬والقيم‭ ‬والإنسانية‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬ثقافة‭ ‬الحياة‭ ‬مع‭ ‬التقرب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭.‬

هؤلاء‭ ‬الجنرالات‭ ‬الدينية‭ ‬ليس‭ ‬لهم‭ ‬حق‭ ‬فرض‭ ‬عدم‭ ‬التجول‭ ‬للشباب‭ ‬في‭ ‬مدن‭ ‬الجمال‭ ‬وعواصم‭ ‬السعادة‭.‬

إنهم‭ ‬مهووسون‭ ‬بالشكليات‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأساسيات‭.‬

عدا‭ ‬عن‭ ‬“تخبيصهم”‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬القيمية،‭ ‬فـ‭ ‬“تخبيصهم”‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬أشد‭ ‬خطرًا‭.‬

يتعاطون‭ ‬مع‭ ‬أخطر‭ ‬القضايا‭ ‬السياسية‭ ‬كضربة‭ ‬حظ‭ ‬أو‭ ‬تنفيس‭ ‬غضب،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثل‭ ‬رمية‭ ‬نرد‭ ‬لطفل‭ ‬غضبان‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬في‭ ‬حضانة‭.‬

هكذا‭ ‬هم،‭ ‬يقامرون‭ ‬بدماء‭ ‬الناس‭ ‬دون‭ ‬حساب‭ ‬لما‭ ‬ستؤول‭ ‬إليه‭ ‬الأحداث،‭ ‬يلقون‭ ‬النرد‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬المراهقات‭ ‬البائسة‭ ‬في‭ ‬كازينو‭ ‬السياسة‭.‬

وكلما‭ ‬تمكنوا‭ ‬سيجرون‭ ‬معهم‭ ‬حماقات‭ ‬الصراعات‭ ‬التاريخية‭ ‬وتسجيل‭ ‬الأهداف‭ ‬التاريخية‭ ‬على‭ ‬طريقة‭:‬

من‭ ‬فاز‭ ‬بـ‭ ‬“الكلاسيكو”؟‭ ‬الشيعة‭ ‬أم‭ ‬السنة‭ ‬أو‭ ‬العكس؟

وتتحول‭ ‬الجماعات‭ ‬إلى‭ ‬ميليشيات،‭ ‬وتستحيل‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬مسجد،‭ ‬والصالات‭ ‬الرياضية‭ ‬إلى‭ ‬مقرات‭ ‬إعدام،‭ ‬والسينما‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬للأمر‭ ‬بالمعروف‭ ‬والنهي‭ ‬عن‭ ‬المنكر،‭ ‬وتبدأ‭ ‬شرطة‭ ‬العقيدة‭ ‬النسائية‭ ‬تعطي‭ ‬لنفسها‭ ‬حق‭ ‬الوكالة‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬بتوزيع‭ ‬العباءات‭ ‬السود‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬بفرض‭ ‬دكتاتوري‭ ‬مخيف‭ ‬يعكس‭ ‬حجم‭ ‬الوقاحة‭ ‬في‭ ‬التدخل‭ ‬بخصوصية‭ ‬الناس‭ ‬والأقليات‭ ‬وادعاء‭ ‬تمثيل‭ ‬الله‭.‬

وهذه‭ ‬الأساليب‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تنتبه‭ ‬لها‭ ‬سوريا‭ ‬الجديدة‭ ‬فسيكون‭ ‬مصيرها‭ ‬مصير‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬دينية‭ ‬تحوِّل‭ ‬فرصة‭ ‬الانتصار‭ ‬إلى‭ ‬انتحار،‭ ‬والمسرح‭ ‬إلى‭ ‬مسلخ،‭ ‬وأعلام‭ ‬الشعوب‭ ‬المنتصرة‭ ‬إلى‭ ‬أضلاع‭ ‬شعوب‭ ‬منكسرة‭.‬

ذاك‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬خطأ‭ ‬عدم‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬الحداثة‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وذات‭ ‬الخطأ‭ ‬تكرر‭ ‬من‭ ‬كارثية‭ ‬خطأ‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬مصر‭ ‬وتونس،‭ ‬وزقاقية‭ ‬حزب‭ ‬الدعوة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬العراق،‭ ‬ومراهقة‭ ‬الحوثي‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬وانتحار‭ ‬“حماس”‭ ‬في‭ ‬طوفان‭ ‬غزة‭.‬

الدول‭ ‬الدينية‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرة‭ ‬فائقة‭ ‬على‭ ‬دفن‭ ‬الزهور‭ ‬في‭ ‬القبور‭ ‬حرام‭ ‬أن‭ ‬يُدفن‭ ‬شباب‭ ‬يضج‭ ‬بالجمال‭ ‬ليكون‭ ‬تحت‭ ‬الرمال‭.‬

وفي‭ ‬السياسة،‭ ‬فإنهم‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬كباب‭ ‬يخرجونه‭ ‬من‭ ‬ثلاجة‭ ‬الحزب‭ ‬لشويه‭ ‬لأي‭ ‬حفلة‭ ‬عرس،‭ ‬وجباتٍ‭ ‬تُقدم‭ ‬ضمن‭ ‬مشويات‭ ‬الباربكيو‭ ‬السياسي‭.‬

نعم،‭ ‬يمتلكون‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬أماكن‭ ‬العبادات‭ ‬إلى‭ ‬زنزانات،‭ ‬والأفكار‭ ‬إلى‭ ‬سجون،‭ ‬والجمال‭ ‬إلى‭ ‬رمال،‭ ‬والتحفيز‭ ‬إلى‭ ‬تخويف،‭ ‬وبقدرة‭ ‬قادر‭ ‬يصبح‭ ‬الواحد‭ ‬منهم‭ ‬ضابطًا‭ ‬شرسًا‭ ‬يتحسس‭ ‬مسدسه‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬ثقافة‭ ‬أو‭ ‬حداثة‭ ‬أو‭ ‬حضارة‭ ‬أو‭ ‬جمال.

يصابون‭ ‬بحساسية‭ ‬مفرطة‭ ‬في‭ ‬الرقبة‭ ‬من‭ ‬الحرام‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬الدم‭ ‬أو‭ ‬تفريق‭ ‬المجتمع‭ ‬الواحد‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬جباية‭ ‬جمع‭ ‬الأموال‭ ‬لهم‭ ‬ولأحفادهم‭ ‬العاطلين،‭ ‬أو‭ ‬التفاخر‭ ‬في‭ ‬اصطياد‭ ‬الاستئناس‭ ‬بجمع‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬حظيرة‭ ‬الحريم‭ ‬والبرسيم‭.‬

ليست‭ ‬هكذا‭ ‬هي‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬أجمعت‭ ‬عليها‭ ‬الأديان‭.‬

تلك‭ ‬قشور‭ ‬وقبور‭ ‬وليست‭ ‬حضارة‭.‬

كما‭ ‬يقول‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭:‬

“خلاصة‭ ‬القضية‭ ‬تُوجز‭ ‬في‭ ‬عبارة‭:‬

لقد‭ ‬لبسنا‭ ‬قشرة‭ ‬الحضارة‭ ‬والروح‭ ‬جاهلية”‭.‬

إن‭ ‬الدولة‭ ‬تنجح‭ ‬بفصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المدنية‭ ‬والعلم‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬وإعطاء‭ ‬الحريات‭ ‬الدينية‭ ‬مع‭ ‬فصلها‭ ‬عن‭ ‬الدولة،‭ ‬مع‭ ‬الانفتاح‭ ‬الحضاري‭ ‬الإنساني‭ ‬على‭ ‬الأمم‭ ‬والشعوب‭ ‬والحضارات‭.‬

هناك‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬الآفاق‭ ‬ودول‭ ‬الأنفاق‭.‬

أقول‭ ‬ذلك‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يتحول‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬كباب‭.‬