استيعاب مبادئ حوكمة الشركات

| د. عبدالقادر ورسمه

الجميع‭ ‬يهتم‭ ‬الآن‭ ‬بتطبيق‭ ‬مبادئ‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭. ‬وكما‭ ‬نعلم،‭ ‬فإن‭ ‬أهم‭ ‬مبادئ‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬حقوق‭ ‬حملة‭ ‬الأسهم،‭ ‬المعاملة‭ ‬العادلة‭ ‬لحملة‭ ‬الأسهم،‭ ‬حماية‭ ‬دور‭ ‬أصحاب‭ ‬المصالح،‭ ‬الإفصاح‭ ‬والشفافية‭ ‬الكاملة،‭ ‬تحقيق‭ ‬عدالة‭ ‬في‭ ‬المسؤوليات‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭.‬

وهناك‭ ‬قضايا‭ ‬عديدة‭ ‬تحيط‭ ‬بمبادئ‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭ ‬تلك‭ ‬القضايا‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬المباشرة‭ ‬بالضوابط‭ ‬الداخلية‭ ‬للشركة‭ ‬ودور‭ ‬المدققين‭ ‬الداخليين‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬استقلال‭ ‬كيان‭ ‬مدققي‭ ‬ومراجعي‭ ‬الحسابات‭ ‬الخارجيين،‭ ‬وجودة‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬تقديمه‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬مراجعة‭ ‬وتدقيق‭ ‬الحسابات‭. ‬

وهناك‭ ‬القضايا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالرقابة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬والإشراف‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬البيانات‭ ‬المالية‭ ‬الى‭ ‬الشركة‭ ‬مع‭ ‬استعراض‭ ‬الترتيبات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالامتيازات‭ ‬المالية‭ ‬للرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭. ‬وهذا‭ ‬يشمل‭ ‬الموارد‭ ‬المتاحة‭ ‬للمديرين‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬واجباتهم‭. ‬وفي‭ ‬نفس‭ ‬الوقت‭ ‬معرفة‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬بها‭ ‬التعيين‭ ‬لشغل‭ ‬المناصب‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المجلس‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬المحاولات‭ ‬الجادة‭ ‬لتعريف‭ ‬وترسيخ‭ ‬مبادئ‭ ‬“حوكمة‭ ‬الشركات”‭ ‬مع‭ ‬الاهتمام‭ ‬المكثف‭ ‬لشرح‭ ‬أهداف‭ ‬وكنه‭ ‬“حوكمة‭ ‬الشركات”،‭ ‬إلا‭ ‬انه‭ ‬من‭ ‬الملاحظ‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬المحاولات‭ ‬“الضعيفة”‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الجهات،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غامضة،‭ ‬وغالبا‭ ‬هذا‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬فهم‭ ‬أو‭ ‬إساءة‭ ‬فهم‭ ‬“حوكمة‭ ‬الشركت”‭. ‬وهذا‭ ‬قد‭ ‬يظهر‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬الجهات‭ ‬أخذت‭ ‬فهم‭ ‬“حوكمة‭ ‬الشركات”‭ ‬فقط‭ ‬وحصرته‭ ‬في‭ ‬المفهوم‭ ‬الضيق‭ ‬لإدارة‭ ‬الشركات‭. ‬وفي‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر،‭ ‬فان‭ ‬الوضع‭ ‬ليس‭ ‬كذلك‭ ‬وهو‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الإدارة‭ ‬العادية‭ ‬للشركة‭. ‬نقول‭ ‬هذا‭ ‬لأن‭ ‬الحوكمة،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬إدارة‭ ‬عادلة‭ ‬وفعالة‭ ‬وشفافة،‭ ‬وتسعى‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭ ‬لتلبية‭ ‬خطوات‭ ‬معينة‭ ‬ومحددة‭ ‬وأهداف‭ ‬مكتوبة‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭. ‬

ويجب‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬مفاهيمنا‭ ‬لحوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬الأحكام‭ ‬المذكورة‭ ‬في‭ ‬القانون،‭ ‬وأن‭ ‬نقرأ‭ ‬ما‭ ‬خلف‭ ‬السطور‭ ‬للوصول‭ ‬للمعاني‭ ‬التي‭ ‬يهدف‭ ‬لها‭ ‬المشرع‭. ‬فالقراءة‭ ‬السطحية‭ ‬للقانون‭ ‬لا‭ ‬توصلنا‭ ‬للهدف‭ ‬السامي‭ ‬من‭ ‬إصدار‭ ‬القانون‭ (‬القوانين‭). ‬فمثلا،‭ ‬مدى‭ ‬الكمية‭ ‬والنوعية‭ ‬ووتيرة‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬البيانات‭ ‬المالية‭ ‬والإدارية،‭ ‬ودرجة‭ ‬ومدى‭ ‬ممارسة‭ ‬المجلس‭ ‬لها‭. ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬النقاط‭ ‬يشير‭ ‬لها‭ ‬القانون‭ ‬ولكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نغوص‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬النقاط‭ ‬للوصول‭ ‬الى‭ ‬الحقيقة‭ ‬لما‭ ‬يطلبه‭ ‬القانون‭. ‬وهنا‭ ‬أيضا،‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬القانون‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬بعد‭ ‬أخلاقي‭ ‬مطلوب‭ ‬جنبا‭ ‬الي‭ ‬جنب‭ ‬مع‭ ‬القانون‭ (‬الالتزام‭ ‬الأخلاقي‭). ‬

والالتزام‭ ‬القانوني‭ ‬والأخلاقي‭ ‬لإدارة‭ ‬الشركة‭ ‬وفق‭ ‬“مبادئ‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات”‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬باستمرار‭ ‬نتيجة‭ ‬لتفاعل‭ ‬عوامل‭ ‬عديدة‭. ‬مع‭ ‬الأخذ‭ ‬في‭ ‬الاعتبار،‭ ‬أن‭ ‬الأدوار‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬هي‭ ‬أكثر‭ ‬تقدما‭ ‬ضمن‭ ‬العناصر‭ ‬المسؤولة‭ ‬في‭ ‬الشركات‭. ‬ومما‭ ‬سبق‭ ‬يتبين‭ ‬ضرورة‭ ‬هذا‭ ‬التصور‭ ‬وتطبيقه‭ ‬لتطوير‭ ‬قواعد‭ ‬الممارسات‭ ‬الجيدة‭ ‬للوصول‭ ‬لحسن‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة‭. ‬إن‭ ‬آليات‭ ‬وضوابط‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬التي‭ ‬تنشأ‭ ‬عن‭ ‬المخاطر‭ ‬الأخلاقية‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬التطبيق‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لرصد‭ ‬سلوك‭ ‬المديرين،‭ ‬يقوم‭ ‬المدقق‭ ‬الخارجي،‭ ‬بصفته‭ ‬طرف‭ ‬مستقل‭ ‬بمراقبة‭ ‬دقة‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الإدارة‭ ‬للمستثمرين‭. ‬وهنا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ينظم‭ ‬نظام‭ ‬المراقبة‭ ‬المثالي‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الدوافع‭ ‬والقدرات‭ ‬التي‭ ‬لدى‭ ‬الإدارة‭. 

وبالنسبة‭ ‬لوضع‭ ‬الضوابط‭ ‬الداخلية‭ ‬لحوكمة‭ ‬الشركات،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬يتطلب‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬تصحيحية‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬التنظيمية‭ ‬ورصد‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬الرصد‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭. ‬ومجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬لديه‭ ‬سلطة‭ ‬قانونية‭ ‬في‭ ‬التوظيف‭ ‬والفصل‭ ‬وتعويض‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا،‭ ‬والضمانات‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬المستثمر‭ ‬وغيره‭. ‬ولذا،‭ ‬فإن‭ ‬اجتماعات‭ ‬المجلس‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تسمح‭ ‬بدراسة‭ ‬المشاكل‭ ‬المحتملة‭ ‬وتجنب‭ ‬غير‭ ‬المقبول‭ ‬لإدارة‭ ‬الشركة‭. ‬وعلاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬قدرة‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬المديرين‭ ‬التنفيذيين‭ ‬للشركة‭ ‬يعطيه‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات‭ ‬وامتلاك‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬صنع‭ ‬القرار،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تقييم‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬جودة‭ ‬القرارات‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬الأداء‭ ‬المالي‭. ‬ويمكن‭ ‬القول‭ ‬هنا،‭ ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬سلطة‭ ‬المديرين‭ ‬التنفيذيين‭ ‬ونظرتهم‭ ‬للمعايير‭ ‬المالية‭ ‬المجردة‭ ‬بل‭ ‬الى‭ ‬التصور‭ ‬المتكامل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭.‬

وأيضا‭ ‬النظر‭ ‬الى‭ ‬إجراءات‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬ومراجعي‭ ‬الحسابات‭ ‬الداخلية،‭ ‬شاملة‭ ‬إجراءات‭ ‬المراقبة‭ ‬الداخلية‭ ‬والسياسات‭ ‬التي‭ ‬تنفذها‭ ‬لجنة‭ ‬مراجعة‭ ‬الحسابات،‭ ‬والإدارة‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬لتقديم‭ ‬ضمانات‭ ‬معقولة‭ ‬لتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتقارير‭ ‬المالية‭ ‬الموثوقة‭ ‬والكفاءة‭ ‬التشغيلية،‭ ‬والامتثال‭ ‬الى‭ ‬القوانين‭ ‬واللوائح‭. ‬وبالنسبة‭ ‬لضوابط‭ ‬الحوكمة‭ ‬الخارجية‭ ‬فإنها‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تشمل‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬الخارجيين‭ ‬ودورهم‭ ‬في‭ ‬ممارسة‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬التنظيم‭ ‬الإداري‭ ‬في‭ ‬الشركة‭. ‬ومن‭ ‬الأمثلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬نذكر‭ ‬المنافسة،‭ ‬الديون،‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬المعلومات‭ ‬وتقييم‭ ‬الأداء،‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬الاستحواذ‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬مفهوم‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬بالطريقة‭ ‬المثلى‭ ‬والصحيحة‭.‬

ومن‭ ‬هذا‭ ‬يتبين‭ ‬لنا‭ ‬ضرورة‭ ‬النظر‭ ‬“خارج‭ ‬الصندوق”‭ ‬عند‭ ‬اطلاعنا‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات،‭ ‬وذلك‭ ‬بهدف‭ ‬التعمق‭ ‬للوصول‭ ‬الى‭ ‬الهدف‭ ‬المنشود‭ ‬من‭ ‬الحوكمة‭ ‬حتى‭ ‬ترتقي‭ ‬المؤسسية‭ ‬عندنا‭ ‬وتقود‭ ‬للنجاح‭ ‬ودفع‭ ‬المجتمع‭ ‬للأمام‭. ‬