“شاهد شاف كل حاجة”!

| أسامة مهران

تمنيت‭ - ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتمناه‭ ‬المرء‭ ‬يدركه‭ - ‬أن‭ ‬أشارك‭ ‬شعبنا‭ ‬البحريني‭ ‬الأصيل‭ ‬فرحته‭ ‬من‭ ‬الملعب‭ ‬وليس‭ ‬من‭ ‬البيت،‭ ‬لكن‭ ‬قدّر‭ ‬الله‭ ‬وما‭ ‬شاء‭ ‬فعل،‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬العزلة‭ ‬المؤقتة،‭ ‬أو‭ ‬الانزواء‭ ‬خلف‭ ‬ستائر‭ ‬الأضواء،‭ ‬وربما‭ ‬هو‭ ‬الشتاء‭ ‬الذي‭ ‬يعود‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬متقد‭ ‬بالحيرة‭ ‬إلى‭ ‬نفسه‭ ‬لعلها‭ ‬تهدأ‭ ‬أو‭ ‬تثور،‭ ‬أو‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬صاحبها‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬القصة‭ ‬فهي‭ ‬المباراة‭ ‬النهائية‭ ‬لخليجي‭ ‬26،‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬وسلطنة‭ ‬عمان،‭ ‬أو‭ ‬بين‭ ‬شعبين‭ ‬في‭ ‬شعب،‭ ‬إنها‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬التي‭ ‬فرقت‭ ‬أمما،‭ ‬لكنها‭ ‬وحدت‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬بحريني‭ ‬يلعبون‭ ‬من‭ ‬المدرجات‭ ‬مع‭ ‬منتخبهم،‭ ‬تشجيع‭ ‬متواصل‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬التأخر‭ ‬بهدف‭ ‬لسلطنة‭ ‬عمان‭ ‬الشقيقة،‭ ‬اللاعب‭ ‬رقم‭ ‬12‭ ‬كان‭ ‬يراوغ‭ ‬من‭ ‬خلف‭ ‬الخطوط،‭ ‬ويمرر‭ ‬من‭ ‬شرايين‭ ‬القلب،‭ ‬ويُصوب‭ ‬بحماس‭ ‬العاشقين‭. ‬إنه‭ ‬شعب‭ ‬البحرين‭ ‬الواحد‭ ‬المتحد،‭ ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬أثبت‭ ‬لحمته‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناسبات،‭ ‬رياضية‭ ‬أو‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬سياسية،‭ ‬جماهير‭ ‬تقف‭ ‬بإيمان‭ ‬خلف‭ ‬مليكها‭ ‬المعظم،‭ ‬وخلف‭ ‬قيادتها‭ ‬الرشيدة،‭ ‬وخلف‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬وحدة‭ ‬الوطن‭ ‬ولا‭ ‬شيء‭ ‬سوى‭ ‬الوطن‭. ‬ذابت‭ ‬الأحزان‭ ‬والاختلافات‭ ‬في‭ ‬الرؤى،‭ ‬والمطارحات‭ ‬الفكرية‭ ‬والفئوية‭ ‬والمناطقية‭ ‬في‭ ‬روح‭ ‬بحرينية‭ ‬مفعمة‭ ‬بالحب‭ ‬لبلادها،‭ ‬بالانتماء‭ ‬لوطنها،‭ ‬بالوفاء‭ ‬لكل‭ ‬ذرة‭ ‬تراب‭ ‬وقطرة‭ ‬ماء‭ ‬تجري‭ ‬في‭ ‬عروقها‭.‬

هكذا‭ ‬ينقل‭ ‬لي‭ ‬أحد‭ ‬الزملاء‭ ‬المخلصين‭ ‬المشاهد‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬الكويت‭ ‬الشقيقة،‭ ‬من‭ ‬مداخل‭ ‬المدن‭ ‬جميعها،‭ ‬حتى‭ ‬الأسواق‭ ‬التجارية‭ ‬“المباركية”‭ ‬وما‭ ‬حولها،‭ ‬وإلى‭ ‬داخل‭ ‬أستاد‭ ‬أمير‭ ‬الكويت‭ ‬الراحل‭ ‬جابر‭ ‬الأحمد‭. ‬

‭ ‬الذي‭ ‬أذهل‭ ‬الجميع‭ ‬بسعة‭ ‬مساحته،‭ ‬وتقنيات‭ ‬أجهزته،‭ ‬وإضاءات‭ ‬أركانه‭ ‬وزواياه،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬دقة‭ ‬النقل‭ ‬عبر‭ ‬الفضائيات‭ ‬ليصل‭ ‬الحدث‭ ‬الرياضي‭ ‬الكبير‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬بلدان‭ ‬العالم،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬إلى‭ ‬مسامع‭ ‬شعوبنا‭ ‬المؤمنة‭ ‬بأن‭ ‬الرياضة‭ ‬للجميع،‭ ‬وأن‭ ‬الروح‭ ‬الرياضية‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬جماهير‭ ‬الفريقين‭ ‬والشعبين‭ ‬الشقيقين‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬منافسة‭.‬

لقد‭ ‬قالها‭ ‬لي‭ ‬الزميل‭ ‬المشارك‭ ‬في‭ ‬“الحدث‭ ‬العظيم”‭ ‬الصحافي‭ ‬حسين‭ ‬الصباغ،‭ ‬إن‭ ‬كل‭ ‬الحاضرين‭ ‬في‭ ‬الملعب‭ ‬كانوا‭ ‬يحملون‭ ‬علمين‭ ‬أحدهما‭ ‬للبحرين‭ ‬والآخر‭ ‬لسلطنة‭ ‬عمان،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يرفع‭ ‬شعارًا‭ ‬وطنيًّا‭ ‬مستترًا‭ ‬تقديره‭ ‬“نعم‭.. ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نحرز‭ ‬اللقب‭ ‬يا‭ ‬البحرين‭ ‬لكننا‭ ‬نحب‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان”‭. ‬هذا‭ ‬الشعار‭ ‬كان‭ ‬ملء‭ ‬قلوب‭ ‬كل‭ ‬الجماهير‭ ‬التي‭ ‬أكدت‭ ‬وحدة‭ ‬شعب‭ ‬الخليج،‭ ‬وسلامة‭ ‬بنيه،‭ ‬ونقاوة‭ ‬أبنائه‭ ‬ومحبيه،‭ ‬هي‭ ‬الروح‭ ‬العامرة‭ ‬بالانتماء‭ ‬لهذه‭ ‬المنطقة‭ ‬المهمة‭ ‬جدًّا‭ ‬من‭ ‬العالم،‭ ‬وهي‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬أبهى‭ ‬صورها،‭ ‬وأروع‭ ‬أشكالها،‭ ‬وأدق‭ ‬ممارساتها،‭ ‬بحريننا‭ ‬واحدة‭ ‬رغم‭ ‬أنف‭ ‬المندسّين‭ ‬والكارهين‭ ‬والمتربّصين‭ ‬بوحدتنا‭ ‬ومصير‭ ‬منطقتنا‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الـ‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬مشجع‭ ‬بحريني‭ ‬يرفعون‭ ‬أعلام‭ ‬بلادهم‭ ‬مهللين‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بـ‭ ‬“الفوز‭ ‬العظيم”،‭ ‬إنما‭ ‬أيضًا‭ ‬بتوجيه‭ ‬رسالة‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭: ‬نحن‭ ‬شعب‭ ‬واحد،‭ ‬أبناء‭ ‬أمة‭ ‬واحدة،‭ ‬ولن‭ ‬يفرقنا‭ ‬أحد‭. ‬تلك‭ ‬الرسالة‭ ‬حملها‭ ‬سفراء‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬المدرجات‭ ‬باستاد‭ ‬جابر‭ ‬الأحمد،‭ ‬ووصلت‭ ‬إلى‭ ‬مشارق‭ ‬الأرض‭ ‬ومغاربها،‭ ‬وتغلغلت‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬المحبين‭ ‬لبلادنا،‭ ‬والحريصين‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬تقاليدنا‭ ‬وعاداتنا‭ ‬وثوابتنا‭ ‬الوطنية‭ ‬وأولوياتنا‭.‬

هكذا‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬يدًا‭ ‬بيد،‭ ‬وكتفًا‭ ‬بكتف،‭ ‬وعَلَمًا‭ ‬بعَلَم،‭ ‬وكل‭ ‬عام‭ ‬يا‭ ‬شعبنا‭ ‬الجميل‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬منتصرون‭.‬