غزّة.. الأطفال.. والموت بردًا

| سليم مصطفى بودبوس

 طوى العام 2024 آخر صفحاته منذ أيام قليلة ليخط أسوأ الذكريات، ويرسم على صفحات تاريخه أبشع مشاهد الموت: الموت بردًا، بعد أن ذاق الطفل الفلسطيني في غزة كلّ ألوان الموت: قتلًا بدم بارد، قصفًا بالصواريخ على الخيام، وجوعًا لانعدام الطعام.. وها هو الاحتلال الآن يمنع دخول وسائل التدفئة ليتجرّع الطفل الفلسطينيّ في غزّة لونًا آخر من ألوان الموت.. الموت بردًا.  نعم، ففي صفحة أخرى من صفحات الموت الفلسطيني وعذاباته، تناقلت وسائل الإعلام نقلًا عن وزارة الصحة في غزة الأسبوع الماضي وفاة طفل رضيع يبلغ من العمر شهرًا واحدًا نتيجة البرد وانعدام وسائل التدفئة في خيام النازحين وسط القطاع الذي يتعرّض لإبادة منذ نحو 15 شهرًا، ليكون خامس طفل يتوفى بسبب البرد خلال أقل من أسبوع، وملاكًا آخر في قافلة الأطفال الشهداء الذين بلغ عددهم 14500 طفل في غزة، منذ بداية الحرب بحسب منظمة (الأمم المتحدة للطفولة) اليونيسف؛ حيث يَقتلُ الاحتلال طفلًا كل ساعة في قطاع غزة بحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين “الأونروا” دون أدنى مبرّر لقتلهم سوى الرغبة الجامحة لدى الاحتلال الصهيوني في إبادة الفلسطيني طفلا قبل أن يكبر مقاومًا. هي صفحة أخرى من صفحات الموت في غزة، وصفعة أخرى على جبين هذا العالم الذي لا يحرّك ساكنًا لمرأى الأطفال الرضع والصغار والنساء والمشردين في الخيام تحت وابل المطر وعصف الرياح وقصف الصواريخ وانخفاض شديد في درجات الإنسانية لم يشهد له العالم مثيلًا.

صفحة أخرى من صفحات الخذلان تعجز فيها الأنوروا واليونيسيف وبرنامج الغذاء العالمي ومنظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة و... و..، تعجز جميعها عن حفظ كرامة الإنسان الفلسطيني وحقه في الحياة والأمن والصحة ليتجمّد أمام أعيننا أطفال غزة حتى الموت بسبب البرد ونقص المأوى، بعد أن ظلّت الأغطية والإمدادات الشتوية عالقة منذ أشهر في انتظار الموافقة على دخولها إلى غزة. ومَنْ نجا من هؤلاء الأطفال من الموت في العام 2024، فقد أُصيب بندوب جسدية وجروح نفسية عميقة، وحرمان تام من الحق في التعليم.. هؤلاء الناجون يقضون معظم وقتهم في البحث بين ركام الأنقاض عن الذكريات، فلا يجدونها. هؤلاء الناجون قالوا سلامًا، ويأملون في 2025 تعليمًا وأمانًا.. فقط.

كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية