عام التحولات ومستقبل الإعلام القانوني

| أسامة مهران

‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يمكنه‭ ‬التكهن‭ ‬بما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬تحولات‭ ‬لما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بالإعلام‭ ‬القانوني،‭ ‬أي‭ ‬الإعلام‭ ‬المضمون،‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يخضع‭ ‬للقوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬واللوائح‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الصحف‭ ‬والفضائيات‭ ‬والمواقع‭ ‬الصحافية‭ ‬الإلكترونية‭ ‬المعتمدة‭. ‬عام‭ ‬2025‭ ‬يهل‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬وسط‭ ‬خداع‭ ‬الصورة،‭ ‬واضطراب‭ ‬المحتوى،‭ ‬وانفجار‭ ‬الواقع،‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬يفتح‭ ‬النوافذ‭ ‬كلها‭ ‬مشرعة‭ ‬أمام‭ ‬حرية‭ ‬تداول‭ ‬المعلومات‭ ‬وسهولة‭ ‬توصيل‭ ‬الأخبار‭ ‬ونقل‭ ‬الأحداث‭.‬

‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬لعبت‭ ‬الصورة‭ ‬دور‭ ‬البطولة‭ ‬في‭ ‬فضح‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬بقطاع‭ ‬غزة،‭ ‬ولعب‭ ‬التعليق‭ ‬على‭ ‬الصورة‭ ‬دور‭ ‬الكومبارس‭ ‬في‭ ‬توضيح‭ ‬المحتوى‭ ‬الذي‭ ‬يظهر‭ ‬في‭ ‬الصورة‭ ‬الحية،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تلعب‭ ‬فيها‭ ‬أصابع‭ ‬الغش‭ ‬وأذناب‭ ‬الذئاب‭ ‬الإلكتروني‭ ‬أدوارًا‭ ‬أخرى‭. ‬2025‭ ‬قد‭ ‬يضع‭ ‬حدًّا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬وليس‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬غباء‭ ‬الغشاشين‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يخترق‭ ‬صفوف‭ ‬اللغة‭ ‬ويصف‭ ‬حروفًا‭ ‬ليست‭ ‬على‭ ‬مقياس‭ ‬الأبجدية،‭ ‬يمكنه‭ ‬مثلًا‭ ‬كشف‭ ‬المنقول‭ ‬أو‭ ‬المنسوخ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬“بطن‭ ‬الشاعر”‭ ‬ليعبر‭ ‬عن‭ ‬أحاسيس‭ ‬إنسانية‭ ‬غير‭ ‬متكررة،‭ ‬ومن‭ ‬قلب‭ ‬الأحداث‭ ‬لينقل‭ ‬لنا‭ ‬صورة‭ ‬طبق‭ ‬الأصل‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬إلا‭ ‬بنفسه،‭ ‬ولا‭ ‬يتواصل‭ ‬سوى‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يعيد‭ ‬صياغته‭ ‬وتشكيل‭ ‬هيئته‭ ‬بأصابع‭ ‬فنان،‭ ‬ورتوش‭ ‬مهني،‭ ‬وألوان‭ ‬مبتكر‭. ‬الصحافة‭ ‬الورقية‭ ‬أو‭ ‬القانونية‭ ‬ستلجأ‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬إلكتروني‭ ‬لتشكيل‭ ‬رافعة‭ ‬محسوسة‭ ‬ومرئية‭ ‬أو‭ ‬مقروءة‭ ‬لكل‭ ‬مربط‭ ‬فرس،‭ ‬أو‭ ‬لكل‭ ‬زاوية‭ ‬رؤية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬لكل‭ ‬طبيعة‭ ‬أداء،‭ ‬الرائع‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصحافة‭ ‬أنها‭ ‬تخضع‭ ‬لتشريعات‭ ‬تحرّم‭ ‬الكذب‭ ‬وتعاقب‭ ‬عليه‭. ‬

وتمنع‭ ‬التحريض‭ ‬والانحياز،‭ ‬وتدعو‭ ‬للنزاهة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التزييف‭ ‬والتدليس،‭ ‬ولا‭ ‬تتقمص‭ ‬شخوص‭ ‬مرتكبيها،‭ ‬أما‭ ‬الفضائيات‭ ‬والمواقع‭ ‬الإلكترونية‭ ‬الصحافية‭ ‬المعتمدة‭ ‬فلا‭ ‬يمكنها‭ ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬الخطوط‭ ‬المتقاطعة‭ ‬للكلمات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تلهو‭ ‬مع‭ ‬المتلقي‭ ‬لتصنع‭ ‬منه‭ ‬تابعًا‭ ‬غير‭ ‬واعٍ،‭ ‬أو‭ ‬قارئًا‭ ‬ضعيف‭ ‬الإدراك‭.‬

الكارثة‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬منصات‭ ‬الالتقاط،‭ ‬ومختلف‭ ‬ثوابت‭ ‬المعركة‭ ‬التي‭ ‬تُدار‭ ‬رحاها‭ ‬بين‭ ‬محترف‭ ‬يدافع‭ ‬عن‭ ‬مهنته،‭ ‬ودخيل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬“الترند”،‭ ‬قد‭ ‬تميل‭ ‬لصالح‭ ‬الخطأ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الصواب،‭ ‬اللا‭ ‬احترافية‭ ‬واللا‭ ‬نزاهة‭ ‬واللا‭ ‬حيادية‭ ‬واللا‭ ‬مبادئ،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الاحترافية‭ ‬والمهنية‭ ‬والنزاهة‭ ‬والموضوعية‭ ‬والحيادية‭ ‬وكل‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬تعلمناها‭ ‬في‭ ‬مدرسة‭ ‬ألف‭ ‬باء‭ ‬صحافة،‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬اكتسبناها‭ ‬بالخبرة‭ ‬والممارسة‭ ‬اليومية‭ ‬والمتابعة‭ ‬الحثيثة‭ ‬المرئية‭ ‬وغير‭ ‬المرئية‭.‬

الإعلام‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬وعصر‭ ‬التحولات‭ ‬بين‭ ‬المتنبئ‭ ‬والمتنبّأ‭ ‬به،‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬الأدوات‭ ‬المُرحلة‭ ‬زمنيًّا‭ ‬من‭ ‬عصر‭ ‬الورقة‭ ‬والقلم،‭ ‬إلى‭ ‬الهاتف‭ ‬الذكي‭ ‬واللاب‭ ‬النقي،‭ ‬مرورًا‭ ‬بأجهزة‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬ذات‭ ‬محركات‭ ‬البحث‭ ‬المُسيرة،‭ ‬وليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬اختيارها‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬عشرات‭ ‬الأجهزة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬سبر‭ ‬أغوار‭ ‬حقائق‭ ‬المحتوى‭ ‬الإعلامي‭ ‬الرقمي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أدخلنا‭ ‬عليه‭ ‬إحداثيات‭ ‬المعنى،‭ ‬وخوارزميات‭ ‬البحث‭ ‬الحر‭.‬

لقد‭ ‬وقعنا‭ ‬في‭ ‬شرور‭ ‬أعمالنا‭ ‬عندما‭ ‬استخدمنا‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬للتحقق‭ ‬من‭ ‬الانتشار‭ ‬ونقل‭ ‬الأحداث‭ ‬والأخبار‭ ‬والمعارف،‭ ‬وصناعة‭ ‬المعلومات‭ ‬وتدويرها،‭ ‬وتدويلها‭ ‬وتداولها،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬استخدامنا‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الترويج‭ ‬لسلعة،‭ ‬أو‭ ‬لحملة‭ ‬انتخابية،‭ ‬أو‭ ‬لخطاب‭ ‬سياسي،‭ ‬أو‭ ‬لمحتوى‭ ‬سليط،‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يتحقق‭ ‬بهدوء‭ ‬منقطع‭ ‬النظير‭.‬

أيًّا‭ ‬كان‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يروّج‭ ‬لأي‭ ‬شيء‭.. ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬“ترند”،‭ ‬وذلك‭ ‬الذي‭ ‬يمتهن‭ ‬صناعة‭ ‬لها‭ ‬تاريخ‭ ‬وأصول‭ ‬وتأثير‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬والناس،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬إلا‭ ‬الصحيح،‭ ‬وأن‭ ‬عملية‭ ‬الدمج‭ ‬بين‭ ‬المسموح‭ ‬والممنوع‭ ‬قد‭ ‬تشهد‭ ‬تعاونًا‭ ‬حميميًّا‭ ‬بينهما‭ ‬كونهما‭ ‬وجهين‭ ‬لعملة‭ ‬واحدة،‭ ‬أو‭ ‬كأنهما‭ ‬هدفان‭ ‬متوازيان‭ ‬لا‭ ‬يلتقيان‭.‬

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية