عن السلام العالمي

| إميل أمين

يحتفل‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬يناير‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬بيوم‭ ‬السلام‭ ‬العالمي،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأوقات‭ ‬يتساءل‭ ‬المرء‭ ‬“هل‭ ‬بات‭ ‬على‭ ‬البشرية‭ ‬أن‭ ‬تؤمن‭ ‬أكثر‭ ‬وأكثر‭ ‬بأن‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بثقافة‭ ‬السلام‭ ‬ورفض‭ ‬فكر‭ ‬الهيمنة‭ ‬والسيطرة‭ ‬المرتكزة‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬المسلحة‭ ‬وكذا‭ ‬الحرب‭ ‬والعدوان،‭ ‬هو‭ ‬الدرب‭ ‬المؤدي‭ ‬إلى‭ ‬حياة‭ ‬أكثر‭ ‬أنسنة‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬الفلاسفة؟”‭. ‬الجواب‭ ‬عن‭ ‬علامة‭ ‬الاستفهام‭ ‬المتقدمة‭ ‬يقتضي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التفكيك‭ ‬والتحليل‭ ‬المرتبطين‭ ‬بحال‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬الآونة‭ ‬الأخيرة،‭ ‬والخبرات‭ ‬المطروحة‭ ‬أمام‭ ‬البشرية،‭ ‬عطفًا‭ ‬على‭ ‬الرجوع‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬عبر‭ ‬القرنين‭ ‬المنصرمين،‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬السلام‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬قام‭ ‬بقطع‭ ‬الطريق‭ ‬على‭ ‬الحروب،‭ ‬وغيّر‭ ‬شكل‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬الملتهبة،‭ ‬وأطفأ‭ ‬نيران‭ ‬الخصومات‭ ‬المشتعلة‭ ‬عبر‭ ‬قرون‭ ‬بين‭ ‬بني‭ ‬البشر‭.‬

‭ ‬تبدو‭ ‬البشرية‭ ‬اليوم‭ ‬بملياراتها‭ ‬الذين‭ ‬تجاوزوا‭ ‬السبعة‭ ‬أمام‭ ‬خيار‭ ‬حتمي‭ ‬بين‭ ‬إدراك‭ ‬السلام‭ ‬الكامل‭ ‬والشامل،‭ ‬لاسيما‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اختبرت‭ ‬أهوال‭ ‬الحرب‭ ‬ورعبها،‭ ‬وعاشت‭ ‬ألم‭ ‬العوز‭ ‬وضيقه،‭ ‬والهلع‭ ‬ومراراته،‭ ‬جراء‭ ‬تشبثها‭ ‬بأنماط‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬الانتقام،‭ ‬والثأر‭ ‬للماضي،‭ ‬وكل‭ ‬الأشكال‭ ‬التي‭ ‬تقادمت‭ ‬بفعل‭ ‬الزمن،‭ ‬وبين‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬أكثر‭ ‬أريحية،‭ ‬طريق‭ ‬السلام‭ ‬فيه‭ ‬معبّد‭ ‬بالنوايا‭ ‬الحسنة،‭ ‬وذلك‭ ‬بفعل‭ ‬الإرادة‭ ‬المنبثقة‭ ‬عن‭ ‬التلاقي‭ ‬والتشاور،‭ ‬والحوار‭ ‬والجوار،‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬إرث‭ ‬الهاوية‭ ‬السحيق‭ ‬أي‭ ‬الحرب‭. ‬تبدو‭ ‬الإنسانية‭ ‬اليوم‭ ‬عند‭ ‬منعطف‭ ‬كبير‭ ‬وخطير‭ ‬يتعلق‭ ‬مصيرها‭ ‬به،‭ ‬فالمعضلات‭ ‬والتحديات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تواجه‭ ‬دولة‭ ‬بذاتها،‭ ‬أو‭ ‬إقليمًا‭ ‬بعينه،‭ ‬بل‭ ‬تجابه‭ ‬الأمم‭ ‬المختلفة،‭ ‬وتخيّم‭ ‬على‭ ‬سماوات‭ ‬الكرة‭ ‬الأرضية‭ ‬كلها‭. ‬

‭ ‬لهذا‭ ‬يبقى‭ ‬التحدي‭ ‬الشغل‭ ‬الشاغل‭ ‬للبشرية،‭ ‬وعند‭ ‬هذا‭ ‬المنعطف‭ ‬يصبح‭ ‬الإخفاق‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬موجات‭ ‬الصراعات‭ ‬وتسونامي‭ ‬الحروب‭ ‬والاضطراب‭ ‬مخالفًا‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬يمليه‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬الصالح،‭ ‬وتقصيرًا‭ ‬في‭ ‬تحمل‭ ‬المسؤوليات‭. ‬

‭ ‬ولعلّه‭ ‬من‭ ‬نافلة‭ ‬القول‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬مفهومين‭ ‬لعملية‭ ‬بناء‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬حاضرات‭ ‬أيامنا،‭ ‬الأول‭ ‬هو‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬يتوقف‭ ‬حده‭ ‬ومده‭ ‬عند‭ ‬مسألة‭ ‬تعزيز‭ ‬عدم‭ ‬انطلاق‭ ‬حروب‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬دأبت‭ ‬على‭ ‬القتال‭ ‬لسبب‭ ‬أو‭ ‬لآخر،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬مسألة‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬القرون‭ ‬السابقة‭ ‬وحتى‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬هي‭ ‬الذريعة‭ ‬الأساسية‭ ‬لانطلاقها،‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬أوقاتنا‭ ‬الآنية،‭ ‬إذ‭ ‬ربما‭ ‬تقود‭ ‬الثروات‭ ‬الطبيعية‭ ‬والخيرات‭ ‬الأرضية‭ ‬في‭ ‬البر‭ ‬والبحر،‭ ‬ولاحقًا‭ ‬في‭ ‬الفضاء،‭ ‬ومسألة‭ ‬اقتسامها،‭ ‬إلى‭ ‬اشتعال‭ ‬تلك‭ ‬الحروب،‭ ‬وهذا‭ ‬يطلق‭ ‬عليه‭ ‬“السلام‭ ‬السلبي”،‭ ‬أي‭ ‬الذي‭ ‬يكتفي‭ ‬بإطفاء‭ ‬حرائق‭ ‬الاشتباكات‭ ‬ومن‭ ‬غير‭ ‬مقدرة‭ ‬حقيقية‭ ‬أو‭ ‬إيجابية‭ ‬على‭ ‬مراكمة‭ ‬طبقات‭ ‬من‭ ‬السلام‭ ‬الآخر‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬الآخر‭ ‬فهو‭ ‬السلام‭ ‬الإيجابي،‭ ‬والذي‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مفهوم‭ ‬السلام‭ ‬التقدمي،‭ ‬ذاك‭ ‬الكفيل‭ ‬بتغيير‭ ‬شكل‭ ‬العالم‭ ‬المعاصر،‭ ‬وبتجاوز‭ ‬أنماط‭ ‬الصراعات‭ ‬المتأصلة،‭ ‬والقفز‭ ‬على‭ ‬العداوات‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬رسخت‭ ‬في‭ ‬العقول‭ ‬والقلوب‭ ‬لعقود‭ ‬وآجال‭ ‬طوال،‭ ‬وجعله‭ ‬عالمًا‭ ‬يسوده‭ ‬التعاون‭ ‬ويعمه‭ ‬الانسجام،‭ ‬عالم‭ ‬بناء‭ ‬الجسور‭ ‬وهدم‭ ‬الجدران‭.‬

‭ ‬يقتضي‭ ‬السلام‭ ‬العادل‭ ‬والشامل‭ ‬الوعي‭ ‬الراسخ‭ ‬بوحدة‭ ‬النوع‭ ‬البشري،‭ ‬تلك‭ ‬الوحدة‭ ‬التي‭ ‬تؤكدها‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬كافة،‭ ‬بدءًا‭ ‬من‭ ‬علم‭ ‬الإنسان،‭ ‬وعلم‭ ‬وظائف‭ ‬الأعضاء،‭ ‬وعلم‭ ‬النفس،‭ ‬كلها‭ ‬تعترف‭ ‬بانتماء‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬أصل‭ ‬واحد،‭ ‬رغم‭ ‬المظاهر‭ ‬الثانوية‭ ‬المتعددة‭.‬

‭ ‬هنا‭ ‬ليس‭ ‬شرطًا‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مبادرات‭ ‬السلام‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬عرفت‭ ‬حروبًا‭ ‬أو‭ ‬تصارعت‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬آخرين،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬مفهوم‭ ‬السلام‭ ‬الإيجابي‭ ‬يدعو‭ ‬للتخلي‭ ‬عن‭ ‬التعصبات‭ ‬بكل‭ ‬أنواعها،‭ ‬عرقية‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬طبقية،‭ ‬دينية‭ ‬أم‭ ‬وطنية،‭ ‬متصلة‭ ‬باللون‭ ‬أو‭ ‬الجنس،‭ ‬أو‭ ‬مستوى‭ ‬الرقي‭ ‬المادي،‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يوحي‭ ‬إلى‭ ‬فئة‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬بأنها‭ ‬أفضل‭ ‬شأنًا‭ ‬أو‭ ‬أسمى‭ ‬مرتبة‭ ‬من‭ ‬سواها‭.‬

باختصار‭ ‬غير‭ ‬مخل‭ ‬يبقى‭ ‬السلام‭ ‬ممثلًا‭ ‬لمعارج‭ ‬الأمل‭ ‬والفضيلة،‭ ‬فيما‭ ‬الحروب‭ ‬والكراهيات،‭ ‬الطريق‭ ‬الهابط‭ ‬إلى‭ ‬جب‭ ‬الانتحار،‭ ‬وعلى‭ ‬العالم‭ ‬الاختيار‭ ‬في‭ ‬الحال‭ ‬والاستقبال‭.‬