بين عامين

| أسامة مهران

 2024 يترجل بأمتاره المعدودات، يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكنه تحت أي توقيت زمني، وأي مقياس شرعي كان عامًا لا ينسى، كان عامًا أشبه بالكلمات المتقاطعة، بالحياة البرية التي لا يرحم فيها أحد، الجميع يلهثون خلف حب البقاء، والجميع يقاتلون من أجل أن يكون للحياة الدنيا مذاق، وللحياة الآخرة سياق، وللوجود غير المرئي نطاق، هكذا كان عام 2024 رغمًا عن أنف المنجمة الأسطورية ليلى عبداللطيف، ورغمًا عن كتاباتها التي تتنبأ بالوهم فلا يتحقق، وبالبعث فيطغى عليه الرحيل، وبالبدء من جديد، فلا يولد لدينا سوى التهديد والوعيد، بلاد تختفي وأخرى ينبري رحمها تحت رحمة القريب والبعيد، هكذا يبدو الشرق الأوسط من فوهة بركان، وتحت إمرة التصعيد، وهكذا تبدو بلادنا التي تنعم بالرخاء والازدهار وهي تخشى من ضلالات الرؤى وفخامة التمجيد والتنديد، هكذا نحن نستقبل عامًا جديدًا، هكذا نستقبل بعون الله عامًا سعيدًا.  قد تكون تلك مقدمة لابد منها ونحن نستقبل عام 2025 بقلوب جريحة على شعبنا في فلسطين المحتلة، على سوريا التي يختلط الحابل فيها بالنابل بعد أن فتحت أسواق الحميدية ذراعيها لكل من هبّ ودبّ، ولهؤلاء الناجين من النار، وأولئك المستجيرين بالرمضاء تحت ما يطلق عليهم أولي الأمر أو صناع القرار. الكل يخشى فترتفع أسهمه في بورصة المنجمين، والكل يضرب أخماسًا في أسداس فيفرك بالأمل أصابعه كي يتوقع أن عام 2025 سيكون قبل أبريل الأفضل رغمًا عن أنف سيدة التاروت بسنت يوسف. 

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية

 ورغمًا عن توقعات الأسطورية ليلى بنت عبداللطيف، ورغم أكاذيب المنجمين ولو صدقوا أو صدفوا، ورغم أحوالنا وأيام بلادنا، إلا أوطاننا ما زالت تقاوم، ما زالت تتحلى بالصبر والصلاة، بأجراس الكريسماس وأشجار المعاناة، بحرقة القلب المغدور، بروعة الأم حين تدعو للحب وتأمر بالنذور، بدماثة الخلق، بعزيمة التسامح، بدفء السلام وقوة التصافح، هي عاداتنا وتقاليدنا في مملكتنا الحبيبة البحرين في النشيج يا خليج، في الكنانة والعراق وأرض الشام والسودان والمغرب العربي البهيج. هكذا هي الأمة العربية جمعاء محشورة بفعل التاريخ، وغضبة الجغرافيا، وحرقة الأيام بين عامين، عام مضى بأفراحه وأتراحه، وعام على الأبواب بغموضه وتياراته شبه المعاكسة ورياحه، إنه المجهول بشحمه ولحمه، بالقدر المحسوب بجزء من الثانية، بالقضاء المكتوب على اللوح المحفوظ وأوراق البردي وجذوع النخيل العريق، وأشجار الزيتون الجريحة، هكذا تستقبل بلادنا العام الجديد وفوق ذراعيها وشم مكتوب عليه: “إن شاء الله خير، إن شاء الله خير”.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية