العودة عن طرق الفتنة؟!
| عارف العبد
كشفت إيران، وبسرعة كبيرة، مقدار الحنق والتبرم من التطور الدراماتيكي الانقلابي الذي شهدته سوريا، وأسفر عن انهيار نفوذها وخططها ومرتكزاتها وطموحها في سوريا. فبعد أن تلقى حزب الله، المدعوم والمؤسس من قبلها، ضربات قوية وقاسية وصلبة من قبل إسرائيل في الحرب الأخيرة، بما فيها اغتيال الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، فإن الأوضاع تدهورت، وانهارت كل آمالها بفعل فرار الرئيس السوري السابق بشار الأسد إلى موسكو، هربا من قبضة ثوار ومجاهدي هيئة تحرير الشام بقيادة أبي محمد الجولاني الذي انقلب إلى أحمد الشرع. رد الفعل الأولي والمتوتر والضعيف والمرتبك صدر على لسان وزير خارجية إيران عباس عراقجي، الذي قال من دون تردد إن “من يعتقدون بتحقيق انتصارات في سوريا عليهم التمهل في الحكم فالتطورات المستقبلية كثيرة”. كلام عراقجي، لم يكن إلا مقدمة لخروج الحقائق والتمنيات من فم المرشد الأعلى علي خامنئي الذي توقع أن “يشهد المستقبل ظهور مجموعة شريفة وقوية في سوريا أيضا”.. وأضاف “شباب سوريا الشجعان سيخرجونكم من هنا بالتأكيد”. لكن الذي جرى أن شباب سوريا الشجعان حسب خامنئي، سرعان ما ظهروا بعد ساعات من حديثه، عبر كمين نصب لقوات تحرير الشام في منطقة طرطوس، وسط محاولات لإشعال فتنة طائفية مع السكان العلويين في منطقة القرداحة وقوات الشرطة الجديدة. كما ظهر الشجعان، وفقا لتوصيف خامنئي، عبر إحراق أكثر من شجرة ميلاد في مدن سورية، فيها مواطنون يتبعون الديانة المسيحية، وسكانها من المسيحيين.
سرعان ما انكشف الدور، وخلفيات الحديث عن الشبان الشجعان، عبر الكمائن لرجال الشرطة، والانقضاض على الرموز والتقاليد المسيحية في عيد الميلاد، والعلوية في مناطق أخرى! أية طريقة هذه من دولة تريد نسج علاقات صحية مع المحيط العربي والإسلامي، لا تعمل إلا وفق إثارة النعرات الطائفية والمذهبية في سوريا بشكل مفضوح وعلني وفي مناطق أخرى بشكل مستتر. هل تعتقد السلطات الإيرانية أنها بهذه الطريقة يمكن أن تستعيد نفوذها السابق المحروق والمنهار وعلاقاتها ومكانتها في سوريا؟ لقد مثلت تجربة النفوذ الإيراني في سوريا الأسد تجربة عربية جديدة مع طهران، كان بإمكانها إحسان إدارتها والتعاطي من خلالها لتجاوز ما كان قد قام ووقع بين العرب وإيران في مناسبات وتجارب سابقة. الطريقة التي تعمل إيران على اعتمادها الآن في سوريا عن طريق العمل على إشعال الفتنة لن تكون إلا بابا واسعا للخلاف والخروج من دون عودة، فليس عن طريق الفتنة يكون بناء العلاقات بين الدول التي يفترض أنها صديقة أو شقيقة أو جارة.
كاتب وأستاذ جامعي من لبنان