الإعلام الجديد والدولة الوطنية

| أسامة مهران

 قال المفكر الكبير عباس محمود العقاد في وصفه لـ “عبقرية عمر”: لم أر عبقريًّا يفري فريه – أي يصنع ما صنعه خليفة المسلمين عمر بن الخطاب، وعندما فتشت في فنون العبقريات كلها، والتي ركزت جل سردياتها على صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – اكتشفت من بين ما اكتشفت أن النهج الذي اختطه العقاد هو الذي سار عليه من قبل الإمام علي بن أبي طالب، صاحب نهج البلاغة، وإمام وخليفة المسلمين. هو نفسه الذي قمت بالبحث والتنقيب عنه في عوالم تثبيت الهوية الوطنية، والشخصية العربية الإسلامية، في زمانات العبقريات وأصحابها، وفي أيام الخلفاء الراشدين ودولتهم، وفي مراجع الباحثين ومجلداتهم، لذا كان المغزى والجواب لماذا ملأنا الدنيا نورًا بعلمنا ورشادًا بعلمائنا، وإيمانًا واحتسابًا وتقدمًا، وحكمة وكياسة ونشر العلوم والفنون والآداب من حولنا، هو ما يجعلني اليوم أتحدث عن الدولة الوطنية بمفهوم العبقريات وأصحابها، وليس من منطلق الدخلاء وخزعبلاتهم، من منطق علي وعمر رضي الله عنهما وليس على أساس التفكير الراديكالي المقيت الذي يحاول النيل من الدولة لحساب جماعة، والقضاء على الجيوش من أجل مليشيات مارقة، هو بكل تأكيد ما أدى إلى تثبيت هوية الدولة العربية الإسلامية عبر التاريخ، وهو ما جعل منها ملء السمع والبصر من آسيا حتى أوروبا، إلى أفريقيا، وهو ما ساهم في وضع أمتنا على قمة الأمم، وفي مقدمة القوميات، وعلى قدم وساق في عالم التطور العلمي، والإبداع الفكري والثقافي.

 الدولة الوطنية في أمتنا تعاني من مخاطر الانسحاب نحو المجهول، التمدد باتجاه الوهم، تكبير الحجم، وليس تثبيت الموروث، تشتيت الأمة وليس مساعدتها على التركيز من أجل حماية مقدرات الوطن والمواطن. مؤخرًا، لم يهدأ لي بال وأنا أستمع إلى خزعبلات جماعات مارقة، ميليشيات ضالة، وخطابات سياسية ما أنزل الله بها من سلطان. بلادنا تنعم بهويتها الوطنية منذ قديم الأزل، وها هي اليوم يتم تهديدها تحت أكثر من خط وأكثر من عنوان، تارة تحت مسمى عقائدي غير مضمون العواقب، وأخرى باستخدام خطاب متناقض مع هيئته، مختلف مع حيثياته ومضامينه وطبيعة الواقع الذي نعيشه.  نحن نعرف ماذا حدث في العديد من بلداننا العربية، من تشرذم وانقسام أدى إلى انهيار الدولة الوطنية، ثم فتح الباب والحدود أمام الطامعين والمتربصين بثرواتنا ومقدراتنا وأمننا القومي، هو ما حدث في العراق واليمن وسوريا وليبيا والسودان ولبنان وفلسطين، بين حكومتين إحداهما في الضفة وأخرى في غزة. بكل تأكيد كان لابد من ضياع إحدى الدولتين، فضاعت غزة، وكان لابد من سحب البساط من تحت أقدام الدول المقسمة طائفيًّا ومناطقيًّا ومصلحيًّا، ثم إلى سوريا التي تغلغلت المليشيات فيها بعد ضعف بل وضياع الدولة الوطنية وحصرها في المركز الهش، ومن ثم ضربها في مقتل. نحن لا نتحدث عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، عن غياب العدالة على الأرض، ليكن ذلك الذي حدث، ولتكن تلك هي النتيجة المتوقعة، دول مفتوحة على مصراعيها لمشاريع أجنبية على أراضينا العربية، أطماع في الزرع والضرع وبني الإنسان، لذا وجب علينا من الآن فصاعدًا وقبل فوات الأوان تشكيل كتائب وطنية للدفاع عن هويتنا الوطنية، وتثبيت شخصيتها الاعتبارية، مضاعفة جهود مثقفيها بل ومسؤوليها من أجل وضع حدود للتجاوزات التي تتحرك بحرية على بعض المواقع الإلكترونية المارقة، بل وتضييق الخناق على الكتائب الإلكترونية المحرضة، و”الترندات” الوهمية المغرضة، والخطابات الراديكالية المارقة. ونحمد الله أن وزارة الداخلية ومركز الاتصال الوطني في بلادنا يتمتعان بأعلى درجة من اليقظة في سبيل الدفاع عن شخصية البحرين، والذود عن هويتها الوطنية، وتثبيت عقيدتها لدى الأجيال الطالعة، ومواجهة تلك الأفكار الوافدة من كل حدب وصوب، فتحية لرجال الأمن السيبراني، ولإعلاميينا الشرفاء النابهين، ولمسؤولينا الأوفياء الأمينين، ولكل من يمارس مهنة التوعية بالقلم، والخطاب والتقنية، والله خير حافظ، وهو أرحم الراحمين.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية