أرزاق “اليوتيوبرز” في مهب عاصفة الذكاء الصناعي
| ياسر سليم
حتى وقت قريب مضى، كان يقال: ما أذكى سياسات القائمين على مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب! فهم يجعلون المستخدمين يقدمون المحتوى لتلك المواقع التي يجلس أصحابها في ارتياح وابتهاج متقاسمين العوائد معهم. هذا الحسد لأصحاب تلك المواقع سيتضاعف عما قريب، حيث سيجد صانعو المحتوى على منصة يوتيوب أنفسهم إزاء أزمة جديدة، حيث باتوا يواجهون تحديا غير مسبوق بسبب السياسات الجديدة التي تنتهجها المنصة. تكمن هذه السياسات في الاستعانة بمحتويات منشئي القنوات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي (AI) التي تعمل على تطويرها، ما قد يهدد استدامة عوائدهم ومكانتهم في سوق صناعة المحتوى الرقمي. بحسب ما يتم تداوله، بدأت يوتيوب في توظيف أطراف ثالثة لاختيار المحتوى من القنوات الموجودة على المنصة بهدف استخدامه كبيانات تدريبية لنماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. العملية تتم وفق نظام ثلاثي الأطراف، حيث تمثل يوتيوب الطرف الأول، والنماذج الذكية الطرف الثاني، والشركات الخارجية الطرف الثالث، وهي المسؤولة عن تحليل واختيار المحتوى المناسب. الهدف المعلن من هذه السياسة هو تحسين قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى منافس وقادر على جذب المشاهدين. ولكن خلف هذا الهدف يكمن تهديد كبير يطال مصدر رزق آلاف صانعي المحتوى، خاصة أولئك الذين يعتمدون على قنواتهم كمصدر دخل أساسي، لا سيما في المجالات التعليمية التي تُعد الأكثر استهدافا لهذه العملية. صنّاع المحتوى التعليمي تحديدا يعانون من تداعيات هذه السياسة، إذ إن محتواهم الذي تطلب جهدا ووقتا لتطويره بات مادة خاما لتدريب النماذج الذكية التي قد تستغني عن خدماتهم لاحقًا. هذه النماذج قادرة، في نهاية المطاف، على إنتاج محتوى تعليمي مشابه وربما أكثر كفاءة، مما يؤدي إلى تقليص الجمهور الذي يعتمد على القنوات التقليدية. علاوة على ذلك، يطرح هذا التحرك تساؤلات حول حقوق الملكية الفكرية. كيف يمكن حماية جهود صانعي المحتوى إذا تم استخدام أعمالهم دون موافقتهم الصريحة؟ وما الآليات التي تضمن تعويضهم عادلًا عن استخدام بياناتهم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي؟ هذه السياسة قد تتسبب في “إغلاق الأبواب” أمام العديد من منتجي المحتوى المستقلين الذين يواجهون صعوبة في منافسة الذكاء الاصطناعي المدعوم من الشركات الكبرى. إذا استطاعت هذه النماذج إنتاج محتوى تعليمي، ترفيهي، أو إرشادي بشكل أكثر كفاءة وبأقل تكلفة، فإن سوق الإعلانات سيعيد توجيه استثماراته نحو تلك النماذج، مما يضع أصحاب القنوات في وضع لا يُحسدون عليه. أثار هذا الأمر موجة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عبر الكثيرون عن قلقهم من انعدام الشفافية في عملية اختيار المحتوى المستخدم في تدريب النماذج. يتساءل المبدعون عن دور يوتيوب في دعمهم، وهل ستخصص المنصة جزءًا من أرباحها لدعم صنّاع المحتوى المتضررين من سياساتها الجديدة؟ من جهة أخرى، هناك تخوفات من أن تتحول المنصة من حاضنة للمواهب إلى أداة تسعى لتقليص الاعتماد على العنصر البشري، ما قد يفتح الباب أمام أزمات مشابهة في منصات أخرى. وفي ظل التطورات المتسارعة في عالم التكنولوجيا، يواجه صنّاع المحتوى تحديات متزايدة في الحفاظ على استمرارية أعمالهم. وبقدر ما يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز الابتكار، فإنه قد يتحول إلى تهديد مباشر لعيش الآلاف من منتجي المحتوى ما لم يتم وضع سياسات عادلة ومتوازنة. يبقى السؤال: هل يمكن إيجاد نقطة توازن بين تطور التكنولوجيا وحماية حقوق صناع المحتوى؟ أم أن الطريق ماضٍ نحو سيطرة الآلة على المشهد الرقمي بالكامل؟