مليار خبر كاذب يوميًّا!

| أسامة مهران

 إلى كل المؤمنين بالـ “سوشال ميديا”، وكل الكافرين بصحافتنا وفضائياتنا القانونية، أقول: لقد ضلت مراكبكم وأخفقت مقاصدكم، وأصبحت ضالتكم المنشودة مفقودة، وتساهلكم مع الحصول على المعلومة الصحيحة أصبح مأربًا كل الغبار عليه. بالأمس فقط، وقعت تحت يديّ بعض الأرقام المذهلة، مصدرها صناع “السوشال ميديا”، بلد هارفارد وبرينستون وديوك وستانفورد، ولاية تكساس، إشارة إلى مؤسسة للتحقق من الانتشار، 3,5 مليارات خبر يتم نشره على “السوشال ميديا” من فيسبوك وتيك توك وإنستغرام ومنصة إكس وأخواتها كل يوم، 23.5 بالمئة من هذه الأخبار خاطئة، أي كاذبة، أي لا أساس لها من الصحة، وهو ما يعني أن مليار خبر تقريبًا يتم الحصول عليه من هذه المنصات، لا يمت للحقيقة بأدنى صلة. رغم ذلك، مازال العرب مغرمين بـ “السوشال ميديا”، معتمدين عليها في الترويج لمنتجاتهم، والإعلان “الرخيص” عن خدماتهم، والتسويق المشكوك في صحته عن صناعاتهم. لا مشكلة لو كانت “السوشال ميديا” عاملًا مساعدًا بسيطًا وسريع الانتشار وقليل التكلفة، لا مشكلة لو أن الإعلان يبحث عن الانتشار السريع، ولو كان هذا الانتشار على حساب المصداقية، ولا مشكلة لو أن المسؤولين عن المؤسسات والمصانع العملاقة والمصارف الكبرى يحبذون التعامل مع هذه المنصات وتلك المخارج المتوافرة من مواقع التواصل، المشكلة مقاطعة الحقيقة لنقل الحقيقة، محاربة القانون بالخروج عن القانون. 

الانحياز للأكاذيب على حساب المصداقية والنزاهة وحماية المنتج من التدليس والتحريف والتشويه. المشكلة في إقصاء الصحافة الورقية المسجلة إلكترونيًّا على المنصات المحترمة، وعلى المواقع العابرة الموثقة رسميًّا. لا أحد يعاقب أصحاب أو مستخدمي هذه المنصات على أفعالهم، على ما ينشرونه من أكاذيب ربما، أو ما يروّجون له بالخطأ على أية حال، المشكلة في إدمان التعامل مع “السوشال ميديا” دون سواها للترويج لجامعة محترمة، أو خدمة مصرفية معقدة، أو لمنتج تأميني يحتاج لإقناع الناس به، والكارثة في أن الواقع يتعامل بأريحية مع هذه الحالة المستعصية من أدوات التواصل الاجتماعي، يتباهون بالإنجاز ويروجون لخطاياه، ولا يعترفون بهذه الخطايا. الخطيئة هي ترك الصحافة القانونية والفضائية المعتمدة، والمواقع الإلكترونية المضمونة، إلى منصات الناس، إلى ثرثرة ما أنزل الله بها من سلطان، إلى شائعات لا يمكن الفصل فيها بين الغث والسمين. ولو افترضنا جدلًا أن الصحافة الورقية، أي القانونية، والفضائيات قد اختفت، فمن أين يا ترى نحصل على الخبر الصحيح، من أين يا ترى يمكننا الوصول إلى الحقيقة، أية حقيقة؟ الكارثة هي تلك الأرقام، والأدهى والأمرّ أن العالمين ببواطن الأمور يمضون في غيّهم، معتقدين أنهم على حق، كون جماهير المنصات الاجتماعية بالمليارات، في حين أن جماهير الصحف بالآلاف. القضية في الكيف لا الكم، في الحقائق المجردة لا تلك المهيمن عليها عقائديًّا وتجاريًّا، وليس احترافيًّا ومهنيًّا، والله المستعان.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية