“صراع المدن!”

| حسين شبكشي

هناك مقولة قديمة ومعروفة يرددها عدد غير قليل من المؤرخين وأخصائيي العمار، مفادها أن معظم مدن العالم القديم تحاول جاهدة أن تكون نسخة ما من باريس، باعتبار العاصمة الفرنسية أجمل مدن العالم، ولذلك ليس غريبا أن هناك مقارنات دائمة بينها وبين لندن وفيينا وميلانو وميونخ وكوبنهاجن وبودابست وبراغ على سبيل المثال لا الحصر.. كلها تحاول أن تكون نسخة من باريس. وفي العالم الحديث جدا بل في الزمن المعاصر، احتلت سنغافورة مكانة مهمة ومميزة خصوصا، وتحولت قصة نجاحها الهائل والمذهل في فترة زمنية قياسية مضربا للأمثال، وأصبحت العديد من المدن الحديثة والمتطورة تسعى جاهدة لأن تكون نسخة ناجحة من سنغافورة التي تمزج بين التصميم العصري والعملي والانسيابي، مع عدم إغفال الجانب الإبداعي والجمالي واحترام البيئة وتحقيق التوازن التنموي الذي يجعل من هدف جودة الحياة مسألة قابلة للتحقيق وممكنة جدا. تنافس المدن ومحاولة إنجاز أقصى الأهداف التي تحقق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية والصحية والأمنية مسألة ليست بسيطة، وباتت لأجل تحقيق تلك الأهداف توظف مليارات الدولارات، فمكانة وتصنيف كل مدينة وسط منافسيها من المدن الأخرى سيحدد جاذبيتها الاستثمارية وقوتها على النمو والتطور وقدرتها على الاستمرار والاستدامة، وكل ذلك يترجم كنجاح اقتصادي كبير ينعكس على حكومتها وساكنيها. صراع المدن المحموم هو بين نموذج قديم يعتمد على الإبهار الجمالي الشامل على الحدائق والميادين والأنهار والشلالات والمقاهي والتماثيل، ونموذج عصري حديث متطور يشمل الجسور والأنفاق والطرق السريعة ووسائل النقل العام المتنوعة والحلول الرقمية لمشاكل التلوث والازدحام، وتقديم مختلف الخدمات بشكل عملي وفوري ومؤثر وفعال. وهناك أعداد متزايدة تنضم لصراع وسباق المدن حول العالم؛ لأن المردود والعائد جذاب بشكل عظيم ويستحق كل التضحية الممكنة.