التحكيم والمنازعات المصرفية

| د. عبدالقادر ورسمه

يلعب التحكيم دورا كبيرا ومتميزا في تسوية المنازعات، وبصفة خاصة، نجد هذا في المنازعات ذات الصفة المهنية التخصصية التي تتطلب دراية وفهم مهني لطبيعة العمل وفهمه بصورة متكاملة. وهذا الوضع، يعتبر من الأمور التي يتميز بها التحكيم لمقدرة هيئات التحكيم أو المحكم الفرد في النظر في المنازعات المرتبطة بهذه الأعمال ذات الطبيعة الفنية التي تحتاج لخبرات خاصة. والمنازعات الفنية متعددة الأوجه، ونجد، المنازعات الهندسية الانشائية والمنازعات الإلكترونية المرتبطة بالعمليات التقنية والمنازعات المحاسبية المعقدة والمنازعات في الأمور الصناعية والزراعية والرياضية والترفيهية وحقوق الملكية الفكرية ومنازعات أسواق المال والبورصات العالمية وأيضا المنازعات المصرفية والمالية.  وللعلم، فان العمليات المصرفية تعتبر ذات صبغة دولية؛ نظرا لأن العملية المصرفية حتى الصغيرة في حجمها تبدأ في قارة وتنتهي في قارة أخرى. وهنا تنبع خصوصية العمل المصرفي. ونقول، إن العمليات المصرفية، متعددة ومتنوعة ومتشعبة ومتغيرة الحركة “فولاتايل” وكل هذا، وغيره من الصفات، يجعل لهذه العمليات المصرفية خصوصية خاصة ويمنحها صبغة مهنية فنية تتطور مع الأيام ومع حاجة التجارة المحلية والعالمية، وأيضا حركة الاقتصاد ورغبة المستهلك. وبمعنى آخر، أن العمليات المصرفية تتفاعل وتأخذ مما يحدث في حركة السوق التجارية وفي نفس الوقت تتلاقح مع مجريات هذه الحركة وتتنافس في تقديم أفضل الخدمات المصرفية المهنية لمن يتطلع إليها. وبسبب هذا الوضع، نجد أن العمليات المصرفية كل يوم هي في وضع متبدل وشأن متغير وفي محك مهني متطور يتماشى مع المجريات العالمية وكل ما يرتبط بها من متغيرات إيجابا أو سلبا.  ومما تقدم، يتضح لنا ونستطيع القول إن العمليات المصرفية، وبما لها من خصائص فنية ومهنية، تحتاج إلى أساليب ووسائل معينة للنظر في حسم المنازعات التي تطرأ بين الأطراف. وهذا نجده ماثلا في اللجوء للتحكيم نظرا للإمكانات والخصائص المتوفرة فيه لحسم مثل هذه المنازعات ذات الطبيعة الخاصة. ولهذا فإن اللجوء للتحكيم مثل ويمثل الوضع الأفضل والأنسب لحسم المنازعات المصرفية المتعددة المناحي. والمنازعات المصرفية تشمل، بدون حصر، المناعات المتعلقة بالاعتمادات المستندية (دوكدس)، ومنازعات احتساب الفوائد ومنازعات العقود الجماعية (عقود السندكيت) والعقود الخاصة (تيرم لونز) وعقود الاستثمار، وأمور الخصوصية بين البنك والعميل، ومنازعات الأوراق التجارية من الكمبيالات والسندات والشيكات، ومنازعات الدفع الآلي الإلكتروني وبطاقات الائتمان التي تربط العالم، وعمليات البنوك المراسلة (كروسبوندنت بانكنق)، ومعاملات النقد الأجنبي والعملات (فوركس) وسندات اليورو (يورو بوندس) والمضاربات (سبيكيوليشن) وعقود المستقبل (فيتوشرز) والخيارات (أوبشنز)، عمليات الوكالة للعملاء، صناديق العهدة، صناديق الاستثمار المتعددة الأوجه، منازعات الضمانات المصرفية، منازعات العمليات المصرفية والمالية الإسلامية... وغير هذا من العمليات المصرفية ومنازعاتها.  ولهذا التنوع من المعاملات المصرفية العالمية نجد أن العديد من البنوك في العالم تضع “شرط التحكيم” في عقودها المصرفية لتسوية المنازعات، وفي نفس الوقت، نجد أن صناعة التحكيم كمنظومة عدلية قامت بدورها المهني في حسم العديد من المنازعات المصرفية ذات الطابع العالمي، ما أضاف للثقافة القانونية العديد من الأحكام “القرارات” التحكيمية النهائية المتميزة والتفسيرات القانونية ذات الوزن المهني والتي أثرت الأدب القانوني وفتحت آفاقا جديدة لتطبيق القانون والعدالة الطبيعية بموجب أحكام نهائية نافذة وناجزة. وصناعة التحكيم، بحكم القانون، تنبع من إرادة الأطراف المتنازعة والتي تلجأ بطوعها وبإرادتها الكاملة في اختيار اللجوء للتحكيم المؤسسي أو الفردي. وفي هذا بالطبع، فوائد عدة تعود للأطراف مباشرة، منها الحق في اختيار هيئة التحكيم التي تنظر في النزاع وهذه الهيئة في الغالب تتكون من كفاءات وخبرات ذات صلة بالنزاع المطروح. وفي حالتنا، تكون الهيئة مكونة من خبرات مصرفية ذات وزن وشأن في هذا المجال المتخصص. وهذا المنحى في حد ذاته، يطمئن الأطراف المتنازعة لأن النزاع في أيدي مقتدرة متخصصة للدرجة التي تؤهلها للنظر في النزاع وحسمه، وفي هذا ينطبق القول: “أعطي الخبر لخبازه”؛ لأنه وبكل بساطة يعرف كيف يخبز الخبز السائغ الطعم.  وأيضا، كمنحة وميزة إضافية، يجوز للأطراف المتنازعة اختيار القانون الواجب التطبيق ومكان التحكيم ولغته، وغير ذلك من الأمور اللوجستية المطلوبة. وكل هذا، متوافر في صناعة التحكيم، وللمقارنة الإجرائية فقط، لا نجده عند اللجوء للتقاضي أمام المحاكم حيث لا يستطيع أي طرف التدخل في اختيار القاضي أو المحكمة وفي القانون والإجراءات التي تتبعها، وقطعا هي مؤهلة لذلك.