من هؤلاء!
| أسامة مهران
فجأة ومن دون مقدمات، تظهر لنا شخصيات غريبة “على الهواء مباشرة” وفي أهم الفضائيات العربية، وهي تتحدث بلغة إعلامية دخيلة علينا، تفتح ملفات سياسية، وتثير قضايا قومية، وتتعامل مع المشاهد وكأنها معروفة سلفًا. بعضهم يفاجئنا بأنه يحمل جنسية معينة، ثم نجده في قناة فضائية عربية أخرى حاملًا جنسية ثانية، ثم في قناة فضائية ثالثة ورابعة، ولكل قناة وجه، ولكل برنامج هوية، بل ولكل قضية جنسية. بعض هذه الشخصيات لم تعمل أبدًا في الصحافة العربية ولا الأجنبية، ولم نشاهدها حتى في القنوات الفضائية الأجنبية المعروفة، لكنها تأتي إلينا كالطائرات المُسيرة التي اجتاحت نيويورك مؤخرًا، لا صاحب لها ولا بلد، لا هوية لها ولا أصل، ولا ثقافة لديها ولا معتقد، فقط تحاول أن تثبت أفكارًا دخيلة علينا، بل إن تواطؤها قد يبدو واضحًا مع عدو تحاول تدجينه، أو مع مغتصب تسعى لتفرضه صديقًا. حدث ذلك خلال السنوات القليلة الماضية، خرج أحدهم وهو يتحدث عن الأمن القومي العربي، عن التضامن والتكامل الخليجي، وكان مدافعًا قويًّا عن وحدة الأمة وكيفية تلاحمها، ثم نجده مثلًا وهو يحارب تلك الفكرة في العراق، ونراه يمهّد الطريق لتقسيم سوريا، ثم يخرج لنا الشخص ذاته من تحت آباط مركز بحوث في أوروبا، أو جمعية سياسية في إحدى دول الجوار العربي، تكرر نفس المشهد من العديد من الذين ينتمون لمعهد محدد “للسلام” في واشنطن، ومركز دراسات آخر في بريطانيا، وجامعة غير معروفة في آلاسكا ونيوجيرسي.
وفجأة ومن دون مقدمات، نجد هؤلاء المتحدثين بلباقة وبلكنة عربية مشكوك في صحتها وسلامة مخارج ألفاظها، وهي تقريبًا محتلة للتعليقات على نشرات الأخبار في الفضائيات العربية، تارة يتحدثون من العاصمة العربية “الفلانية” وأخرى من عاصمة أخرى، وثالثة من منطقة تحت النار، في إدلب أو عفرين أو دمشق أو بغداد، أو الخرطوم أو صنعاء. هذه الشخصيات وكأنها عليمة بأحوالنا أكثر مما نحن عالمون بأنفسنا، وهكذا تظهر هذه الشخصيات بلكنتها العربية المشتقة مهللة للقومية العربية ومدافعة عن مصالحها، وفجأة نجد هذه الشخصيات وهي متسللة بل ومعتمدة في القنوات العربية الشهيرة وهي تهاجم فكرة القومية العربية. وتمر الأيام، ثم نجدها فجأة ومن دون مقدمات أيضًا، قد اختفت من جميع المشاهد الإعلامية العربية، اختفت تمامًا مثل اختفاء الكثير من الشخصيات الإعلامية التي لعبت دور البطولة في حرب الخليج الأولى والثانية، وتلك التي قامت بأدوار آثرة أثناء أحداث سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وخلال ما يسمى بثورات الربيع العربي، شخصيات بعضها كان تحت الإقامة الجبرية في بعض البلدان، وأخرى كانت محكومة في قضايا تخل بالشرف والأمانة، أو بالنصب والاحتيال، والبعض الآخر يدخل ضمن قائمة “التائبون” أو الناجون من النار الذين أجروا مراجعات فقهية لمعتقداتهم وأعلنوا توبتهم أمام الحكومات وأجهزتها، بل أمام الشعوب العربية قاطبة. وها نحن اليوم نجد أحد “الناجين من النار” وهو يدخل دمشق كخروج الشعرة من العجين، وآتيًا على أسنّة الرماح من حكم “دولة إدلب” إلى حكم الشام العظيم، يأتي إليها فاتحًا ذراعيه بالسلام، وشاهرًا عقيدته في زحام الزحام، ومادًّا مشروعه الهادئ جدًّا لكل من يريد الانضمام لقافلته من الأشقاء السوريين، وهؤلاء الذين خدموا معه طوال مسيرته الغامضة الطويلة. لم يسأل عن جنسية أحد، فالأمة فوق الوطن، وحرية الخدمة العسكرية فوق التجنيد الإجباري، والمقاومة الباسلة ضد الاحتلال الأجنبي إرهابًا لا ينبغي الانسياق وراءه ولو كره الكارهون. من هم هؤلاء الذين يختفون فجأة، ثم يظهرون لنا بثياب جديدة، ولسان معسول، وعقل مغسول؟ بالتأكيد الإجابة تبدو على ألسنة كل من يحاول أن يفهم فينزعج، وكل من يحاول أن يتصدى فيصاب بالإحباط، وكل من يسعى للخروج ببلاده من المآزق جميعها فيدركه العدو، والله وحده المستعان.
*كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية