اصطناعي!

| سليم مصطفى بودبوس

لعل‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬العبارات‭ ‬انتشارا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬“الذكاء‭ ‬الاصطناعي”‭ (‬Artificial Intelligence‭)‬،‭ ‬فالجميع‭ ‬يلهث‭ ‬وراء‭ ‬هذا‭ ‬المكسب‭ ‬التكنولوجي‭ ‬الجديد،‭ ‬ويرغب‭ ‬في‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬مخرجاته‭ ‬الممكنة‭ ‬في‭ ‬شتى‭ ‬الحقول‭ ‬الدراسية‭ ‬والحياتية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والطبية،‭ ‬إلخ‭... ‬وقد‭ ‬حضرت‭ ‬مؤخرا‭ ‬ورشة‭ ‬في‭ ‬توظيف‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الامتحانات‭ ‬المدرسية‭ ‬والجامعية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الامتحانات‭ ‬والمسابقات،‭ ‬لكن‭ ‬بقيت‭ ‬عيناي‭ ‬جاحظتين‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬“اصطناعي”،‭ ‬وعقلي‭ ‬سارحا‭ ‬في‭ ‬ملكوت‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬السحرية‭ ‬التي‭ ‬اكتسحتنا‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬فتأملت‭ ‬دلالاتها‭ ‬وتطور‭ ‬استعمالها‭.‬

عدت‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬غير‭ ‬بعيد،‭ ‬إلى‭ ‬استعمالات‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬في‭ ‬اللغة،‭ ‬فوجدتها‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬غير‭ ‬إيجابية‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬أقول‭ ‬سياقات‭ ‬مذمومة،‭ ‬فمثلا‭ ‬تعودنا‭ ‬أن‭ ‬نصف‭ ‬الضحكة‭ ‬المتكلفة‭ ‬بقولنا‭ ‬ضحكة‭ ‬“مصطنعة”‭ ‬أو‭ ‬اصطناعية‭ ‬لنعبر‭ ‬عن‭ ‬عدم‭ ‬رضانا‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الضحكة،‭ ‬وكذا‭ ‬نقول‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بتر‭ ‬أطراف‭ ‬من‭ ‬الجسد،‭ ‬والاستعاضة‭ ‬عنها‭ ‬بــ‭ ‬“أطراف‭ ‬‮ ‬اصطناعية”؛‭ ‬لأنها‭ ‬ليست‭ ‬طبيعية‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬ليست‭ ‬أصلية،‭ ‬وقد‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬عمل‭ ‬أطراف‭ ‬الجسد‭ ‬الطبيعية‭.. ‬لذا‭ ‬ارتبطت‭ ‬كلمة‭ ‬اصطناعية‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬غير‭ ‬طبيعي‭ ‬وغير‭ ‬صادق‭ ‬ومتكلّف‭ ‬وما‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬المعاني‭ ‬غير‭ ‬المحمودة،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬كان‭ ‬العديد‭ ‬منا‭ ‬يتحاشى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬اصطناعي‭ ‬بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬الذي‭ ‬انعقدت‭ ‬عليه‭ ‬الكلمة،‭ ‬ويستهجن‭ ‬استعمالها،‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬دلالة‭ ‬كلمة‭ ‬“اصطناعي”‭ ‬ومنذ‭ ‬ارتباطها‭ ‬بكلمة‭ ‬“الذكاء”،‭ ‬بعد‭ ‬ترجمة‭ ‬“Artificial Intelligence”‭ ‬إلى‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬شهدت‭ ‬انحيازا‭ ‬عما‭ ‬سبق،‭ ‬واكتسبت‭ ‬مع‭ ‬الاستعمال‭ ‬الجديد‭ ‬شحنة‭ ‬دلالية‭ ‬محمودة‭ ‬ومعنى‭ ‬إيجابيا،‭ ‬باعتبار‭ ‬ما‭ ‬يتوفر‭ ‬عليه‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬من‭ ‬محامد‭ ‬جعلت‭ ‬الصغير‭ ‬والكبير‭ ‬يتهيّأ‭ ‬علميا‭ ‬ومهاريا‭ ‬للاستفادة‭ ‬من‭ ‬منجزاته‭. 

واستعملت‭ ‬الكلمة‭ ‬في‭ ‬البحوث‭ ‬والمقالات‭ ‬العلمية،‭ ‬واقتحمت‭ ‬أسوار‭ ‬الجامعة‭ ‬لتشتبك‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬العلوم‭ ‬وتكون‭ ‬عضيدا‭ ‬لها‭ ‬ومطورا،‭ ‬ثم‭ ‬صارت‭ ‬تخصصا‭ ‬علميا‭ ‬مطلوبا‭ ‬جدا‭ ‬بل‭ ‬ضروريا‭ ‬لمجاراة‭ ‬نسق‭ ‬التطور‭ ‬العلمي‭ ‬المعاصر‭. ‬

وهذا‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬المصطلح‭ ‬ودلالاته‭ ‬يندرج‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬في‭ ‬النقد‭ ‬الثقافي‭ ‬بهجرة‭ ‬المفاهيم،‭ ‬والتحولات‭ ‬التي‭ ‬تطرأ‭ ‬عليها‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الزمن،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬متعلقا‭ ‬بانتقال‭ ‬المفاهيم‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭ ‬المختلفة،‭ ‬أو‭ ‬داخل‭ ‬ثقافة‭ ‬بعينها‭ ‬كالثقافة‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬الغربية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يكسبها‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬دلالات‭ ‬جديدة‭ ‬وأحيانا‭ ‬مغايرة‭ ‬لما‭ ‬دلت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬نشأتها‭.‬

 

* كاتب‭ ‬تونسي‭ ‬ومدير‭ ‬تحرير‭ ‬مجلة‭ ‬البحرين‭ ‬الخيرية