الوطن والأمة وسقوط الدولة

| أسامة مهران

مناقشات‭ ‬“طويلة‭ ‬عريضة”‭ ‬في‭ ‬كواليس‭ ‬الحياة‭ ‬الآيديولوجية‭ ‬اليومية،‭ ‬جميعها‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬فكرة‭ ‬الدولة‭ ‬ومفهوم‭ ‬الوطن،‭ ‬أسوة‭ ‬بما‭ ‬يُشاع‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وضعت‭ ‬جماعة‭ ‬“الجولاني”‭ ‬يدها‭ ‬على‭ ‬سوريا‭. ‬فكرة‭ ‬الدولة‭ ‬ومفهوم‭ ‬الوطن،‭ ‬وحكاية‭ ‬الأمة،‭ ‬معضلة‭ ‬عويصة‭ ‬تتناحر‭ ‬أطرافها،‭ ‬وتتناقض‭ ‬مآربها،‭ ‬وتتفاعل‭ ‬أحداثها،‭ ‬عود‭ ‬ثقاب‭ ‬يشعل‭ ‬ما‭ ‬تحته‭ ‬من‭ ‬جمر‭ ‬تحت‭ ‬الطلب،‭ ‬ومن‭ ‬دخان‭ ‬فوق‭ ‬الرماد،‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬ذلك‭ ‬الغزو‭ ‬الجيوديكتاتوري‭ ‬اللعين‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬بوجه‭ ‬قديس،‭ ‬ونوايا‭ ‬مفتونة‭ ‬بتجربة‭ ‬سوء‭ ‬الجوار‭ ‬العربي،‭ ‬هو‭ ‬المد‭ ‬والجزر‭ ‬الذي‭ ‬أدخل‭ ‬الأمة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الوطن،‭ ‬وأشرك‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬ارتكاب‭ ‬جريمة‭ ‬القبول‭ ‬بالأمر‭ ‬الواقع‭.‬

حكومة‭ ‬إنقاذ‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬آباط‭ ‬مفهوم‭ ‬الأمة،‭ ‬لتدخل‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬القلب‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬الدولة،‭ ‬أو‭ ‬الإحساس‭ ‬العميق‭ ‬بالوطن،‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬ولم‭ ‬يحدث‭ ‬دونها‭ ‬من‭ ‬سيناريوهات‭ ‬لا‭ ‬يصدقها‭ ‬عقل،‭ ‬من‭ ‬دراما‭ ‬أكثر‭ ‬حنكة‭ ‬من‭ ‬“باب‭ ‬الحارة”،‭ ‬أو‭ ‬“نهاية‭ ‬رجل‭ ‬شجاع”‭. ‬هكذا‭ ‬هي‭ ‬الأيام،‭ ‬دول‭ ‬أم‭ ‬أوطان‭ ‬أم‭ ‬أمم،‭ ‬يقولون‭ ‬وفي‭ ‬أيديهم‭ ‬مصاحفهم‭ ‬مرفوعة‭: ‬إن‭ ‬الأمة‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬حقها‭ ‬أن‭ ‬تدرب‭ ‬جماعة‭ ‬“الجولاني”،‭ ‬ومن‭ ‬صميم‭ ‬تخصصها‭ ‬أن‭ ‬ترسله‭ ‬بأسلحتها‭ ‬وعتادها،‭ ‬و‭ ‬“تكنولوجيتها”‭ ‬المجربة‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬الشام،‭ ‬فهو‭ ‬يحمل‭ ‬لواء‭ ‬“تحريرها”،‭ ‬وينتحل‭ ‬اسم‭ ‬مرتفعاتها‭ ‬المحتلة‭ ‬إسرائيليا‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬ما‭ ‬إن‭ ‬تمر‭ ‬ساعات‭ ‬على‭ ‬إعلان‭ ‬حكومة‭ ‬إنقاذ‭ ‬ائتلافية‭ ‬مع‭ ‬حكومة‭ ‬أخرى‭ ‬غير‭ ‬مأسوف‭ ‬عليها،‭ ‬حتى‭ ‬اشتعلت‭ ‬مطارات‭ ‬سوريا،‭ ‬ليلة‭ ‬واحدة‭ ‬تكفي‭ ‬لتدمير‭ ‬الأسطول‭ ‬الجوي‭ ‬السوري‭ ‬و2700‭ ‬دبابة‭ ‬والقوات‭ ‬البحرية‭ ‬والمواقع‭ ‬الاستراتيجية‭.

ليلة‭ ‬واحدة‭ ‬كانت‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬يسقط‭ ‬النظام‭ ‬البديل‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬امتحان‭ ‬أمام‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وليلة‭ ‬واحدة‭ ‬كانت‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬يتحول‭ ‬الشعار‭ ‬الفضفاض‭ ‬إلى‭ ‬كابوس،‭ ‬واللافتة‭ ‬التركيب‭ ‬إلى‭ ‬أضغاث‭ ‬أحلام،‭ ‬والوعد‭ ‬الحق‭ ‬إلى‭ ‬جرائم‭ ‬يُعاقب‭ ‬عليها‭ ‬القانون‭.‬

ليلة‭ ‬واحدة‭ ‬اقتربت‭ ‬بالجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلى‭ ‬ريف‭ ‬دمشق،‭ ‬وكأن‭ ‬الجماعة‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬“أستانا”‭ ‬لا‭ ‬ترى،‭ ‬لا‭ ‬تسمع،‭ ‬لا‭ ‬تتكلم،‭ ‬شأنها‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شأن‭ ‬الأمة‭ ‬التي‭ ‬غضت‭ ‬الطرف،‭ ‬وشأن‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬غفلة‭ ‬عين‭ ‬وانتباهتها،‭ ‬كأننا‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬سقطت‭ ‬فيه‭ ‬بغداد،‭ ‬فلا‭ ‬علوج‭ ‬ولا‭ ‬فلول،‭ ‬ولا‭ ‬“أمجاد‭ ‬يا‭ ‬عرب‭ ‬أمجاد”‭.‬

ليلة‭ ‬واحدة‭ ‬تكفي‭ ‬لغزو‭ ‬عاصمة‭ ‬الأمويين،‭ ‬وقلب‭ ‬العروبة‭ ‬النابض،‭ ‬وأحفاد‭ ‬الفينيقيين‭ ‬وأسود‭ ‬العروبة‭ ‬الأشاوس‭.‬

أين‭ ‬أنت‭ ‬يا‭ ‬أدونيس‭ ‬من‭ ‬أغاني‭ ‬مهيار‭ ‬الدمشقي،‭ ‬وأين‭ ‬صلاح‭ ‬الدين‭ ‬من‭ ‬“طبيبه‭ ‬الدمشقي”‭ ‬الذي‭ ‬أنقذ‭ ‬حياة‭ ‬ريتشارد‭ ‬قلب‭ ‬الأسد‭ ‬إثر‭ ‬إصابته‭ ‬بسهم‭ ‬عربي‭ ‬مدسوس‭ ‬خلال‭ ‬أهم‭ ‬هدنة‭ ‬في‭ ‬التاريخ،‭ ‬وأين‭ ‬أنتِ‭ ‬يا‭ ‬بنت‭ ‬واصف،‭ ‬ويا‭ ‬أيمن‭ ‬زيدان،‭ ‬ويا‭ ‬جمال‭ ‬سليمان،‭ ‬هل‭ ‬مازلت‭ ‬أيها‭ ‬الأخير‭ ‬تطمح‭ ‬إلى‭ ‬حكم‭ ‬سوريا،‭ ‬هل‭ ‬صدقت‭ ‬الوعد‭ ‬بانتخابات‭ ‬ديمقراطية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أرخت‭ ‬العتمة‭ ‬الأبدية‭ ‬سدولها‭ ‬على‭ ‬الكيان‭ ‬السوري،‭ ‬وكأن‭ ‬إقامة‭ ‬الصلاة‭ ‬طقس،‭ ‬وإيتاء‭ ‬الزكاة‭ ‬كرم‭ ‬حاتمي،‭ ‬هل‭ ‬صدقت‭ ‬يا‭ ‬سليمان‭ ‬خاتم‭ ‬نبينا‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬الاسم‭ ‬ذاته‭ ‬والفعل‭ ‬ذاته‭ ‬عندما‭ ‬يفركه‭ ‬فتأتي‭ ‬إليه‭ ‬الملائكة‭ ‬حاملة‭ ‬كنوز‭ ‬الأرض‭ ‬وما‭ ‬عليها؟

ليلة‭ ‬واحدة‭ ‬تكفي‭ ‬يا‭ ‬أبناء‭ ‬عروبتنا‭ ‬حتى‭ ‬نفيق‭ ‬من‭ ‬كبوتنا،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬كفيلة‭ ‬بأن‭ ‬تريحنا‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭ ‬في‭ ‬“كهفنا‭ ‬الأهلي”‭ ‬مع‭ ‬كلابنا‭ ‬الضالة،‭ ‬ومع‭ ‬شياطيننا‭ ‬“الأوباش”؟

ربما‭ ‬ليلة‭ ‬القبض‭ ‬على‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬مازالت‭ ‬تتكرر،‭ ‬تماما‭ ‬مثلما‭ ‬هي‭ ‬صبيحة‭ ‬هروب‭ ‬الأسد‭ ‬من‭ ‬عرينه،‭ ‬ودخول‭ ‬الأمة‭ ‬إلى‭ ‬عقر‭ ‬دار‭ ‬الوطن،‭ ‬ربما‭ ‬يجوز‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬العجائب،‭ ‬وعالم‭ ‬الغرائب،‭ ‬فالشام‭ ‬يتوه،‭ ‬والكنانة‭ ‬تغيب،‭ ‬والعروبة‭ ‬تترجل،‭ ‬و‭.. ‬حسبنا‭ ‬الله‭ ‬ونعم‭ ‬الوكيل‭.‬

 

*كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية