“بسنا.. اقتراحات برغبة”

| زهير توفيقي

الاقتراحات‭ ‬برغبة‭ ‬من‭ ‬الأدوات‭ ‬البرلمانية‭ ‬التي‭ ‬تُمنح‭ ‬لأعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬بهدف‭ ‬اقتراح‭ ‬حلول‭ ‬أو‭ ‬تحسينات‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬القضايا‭ ‬المجتمعية،‭ ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬تُعتبر‭ ‬أداةً‭ ‬مهمة‭ ‬لتفعيل‭ ‬دور‭ ‬النواب‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬هموم‭ ‬المواطنين،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الاقتراحات‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬تثير‭ ‬الجدل‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬جدواها‭ ‬وتأثيرها‭ ‬الفعلي‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬الواقع،‭ ‬حيث‭ ‬يتجه‭ ‬بعض‭ ‬النواب‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬اقتراحات‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬المشكلات‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المجتمع،‭ ‬مثل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مبادرات‭ ‬أو‭ ‬أفكار‭ ‬صعبة‭ ‬التطبيق‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬وهذا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬هدر‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬استثماره‭ ‬في‭ ‬مناقشة‭ ‬قضايا‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرًا،‭ ‬فبسبب‭ ‬غياب‭ ‬التخطيط‭ ‬أو‭ ‬الدراسات‭ ‬اللازمة‭ ‬يتم‭ ‬تقديم‭ ‬الاقتراحات‭ ‬بدون‭ ‬فهم‭ ‬عميق‭ ‬لاحتياجات‭ ‬المجتمع‭ ‬والموارد‭ ‬والميزانيات‭ ‬المتاحة،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬طرح‭ ‬أفكار‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للتنفيذ‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬الإمكانيات‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الاقتراحات‭ ‬تعد‭ ‬وسيلة‭ ‬للظهور‭ ‬الإعلامي‭ ‬وكسب‭ ‬الشعبية،‭ ‬دون‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬حقيقية،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬يتم‭ ‬طرح‭ ‬نفس‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬سبق‭ ‬مناقشتها‭ ‬أو‭ ‬رفضها،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬سير‭ ‬العمل‭ ‬التشريعي‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الابتكار‭. ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬ذلك‭ ‬ضعف‭ ‬الخبرة‭ ‬البرلمانية‭ ‬لبعض‭ ‬النواب،‭ ‬وعدم‭ ‬امتلاك‭ ‬بعض‭ ‬الأعضاء‭ ‬الكفاءة‭ ‬أو‭ ‬الخبرة‭ ‬الكافية‭ ‬لفهم‭ ‬دورهم‭ ‬التشريعي،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬غياب‭ ‬الرؤية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬وقلة‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬تخطيط‭ ‬بعيد‭ ‬المدى‭ ‬لحل‭ ‬المشكلات،‭ ‬ومحاولة‭ ‬بعض‭ ‬النواب‭ ‬كسب‭ ‬تأييد‭ ‬جماهيري‭ ‬سريع‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مقترحات‭ ‬سطحية‭. 

 

وكنتيجة‭ ‬لما‭ ‬سبق‭ ‬ذكره،‭ ‬يشكل‭ ‬ذلك‭ ‬إهدارًا‭ ‬للوقت‭ ‬والموارد،‭ ‬وبدلًا‭ ‬من‭ ‬استثمار‭ ‬وقت‭ ‬المجلس‭ ‬في‭ ‬مناقشة‭ ‬قضايا‭ ‬حيوية،‭ ‬فإنه‭ ‬يتم‭ ‬هدره‭ ‬في‭ ‬اقتراحات‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬ولا‭ ‬تغني‭ ‬ولا‭ ‬تسمن‭ ‬من‭ ‬جوع‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬يلاحظ‭ ‬أن‭ ‬اقتراحات‭ ‬النواب‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬احتياجاته‭ ‬الفعلية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالقضايا‭ ‬الثانوية‭ ‬يُؤخر‭ ‬معالجة‭ ‬الملفات‭ ‬المهمة‭ ‬مثل‭ ‬الإسكان،‭ ‬التعليم،‭ ‬والصحة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالتنمية‭ ‬المستدامة‭.‬

ويكمن‭ ‬الحل‭ ‬عندما‭ ‬تخضع‭ ‬كل‭ ‬اقتراحات‭ ‬النواب‭ ‬لتقييم‭ ‬مسبق‭ ‬يضمن‭ ‬جدواها‭ ‬وقابليتها‭ ‬للتنفيذ‭. ‬وتوفير‭ ‬برامج‭ ‬تدريبية‭ ‬للنواب‭ ‬الجدد‭ ‬لتعزيز‭ ‬فهمهم‭ ‬دورهم‭ ‬ومهماتهم‭ ‬التشريعية،‭ ‬وكذلك‭ ‬التوجه‭ ‬نحو‭ ‬وضع‭ ‬خطط‭ ‬واضحة‭ ‬للتركيز‭ ‬على‭ ‬القضايا‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تهم‭ ‬المواطن‭ ‬البحريني‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬متابعة‭ ‬مدى‭ ‬تنفيذ‭ ‬الاقتراحات‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬الموافقة‭ ‬عليها‭ ‬وتقييم‭ ‬أثرها‭ ‬على‭ ‬الواقع‭.‬

وليسمح‭ ‬لي‭ ‬القارئ‭ ‬العزيز‭ ‬أن‭ ‬أعطي‭ ‬مثالا‭ ‬حيا‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬الاقتراحات‭ ‬غير‭ ‬المجدية،‭ ‬تمرير‭ ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬اقتراحا‭ ‬برغبة‭ ‬مقدما‭ ‬من‭ ‬أحد‭ ‬أعضاء‭ ‬المجلس‭ ‬بخصوص‭ ‬إعفاء‭ ‬المواطنين‭ ‬من‭ ‬الرسوم‭ ‬الخاصة‭ ‬بخدمات‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للمرور‭.‬

هذا‭ ‬المقترح‭ ‬برغبة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنه‭ ‬يصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬المواطن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعفائه‭ ‬من‭ ‬الرسوم‭ ‬المرورية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه،‭ ‬لماذا‭ ‬حدد‭ ‬النائب‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للمرور‭ ‬عن‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الوزارات‭ ‬والهيئات‭ ‬الحكومية؟‭ ‬ألا‭ ‬تعتقدون‭ ‬أن‭ ‬الاقتراح‭ ‬بقانون‭ ‬غير‭ ‬كاف‭ ‬وغير‭ ‬منطقي‭ ‬ويفتقد‭ ‬الشمولية،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬المواطن‭ ‬يقوم‭ ‬بدفع‭ ‬رسوم‭ ‬مالية‭ ‬للخدمات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬مؤسساتها‭ ‬المختلفة‭ ‬مثلها‭ ‬مثل‭ ‬جميع‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى،‭ ‬وهذا‭ ‬من‭ ‬حقها،‭ ‬وكما‭ ‬ذكر‭ ‬رد‭ ‬الإدارة‭ ‬العامة‭ ‬للمرور‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الرسوم‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬رسوم‭ ‬مقابل‭ ‬تقديم‭ ‬تلك‭ ‬الخدمات‭ ‬وليس‭ ‬لزيادة‭ ‬مواردها‭ ‬المالية‭. ‬وحتى‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬كذلك‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الإيرادات‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬خزينة‭ ‬الدولة،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬سيؤثر‭ ‬سلبا‭ ‬على‭ ‬برنامج‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭ ‬للدولة‭ ‬واستقرار‭ ‬الإيرادات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭.‬

ألا‭ ‬تعتقدون‭ ‬بأن‭ ‬الاقتراح‭ ‬بقانون‭ ‬ناقص‭ ‬وضعيف‭ ‬في‭ ‬محتواه،‭ ‬فمثل‭ ‬هذه‭ ‬الاقتراحات‭ ‬برغبة‭ ‬أصبحت‭ ‬لا‭ ‬تهم‭ ‬المواطنين‭ ‬لأنهم‭ ‬يدركون‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬منطقية‭ ‬وغير‭ ‬مقبولة‭ ‬ولا‭ ‬يوافق‭ ‬عليها‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى‭.‬

إذا‭ ‬من‭ ‬الأجدر‭ ‬تقديم‭ ‬مقترحات‭ ‬أخرى‭ ‬مدروسة‭ ‬بعناية‭ ‬وبشكل‭ ‬علمي‭ ‬وليس‭ ‬لمجرد‭ ‬تقديم‭ ‬أية‭ ‬اقتراحات‭!‬

الخلاصة‭.. ‬مجلس‭ ‬النواب‭ ‬يمثل‭ ‬صوت‭ ‬الشعب،‭ ‬ويتطلب‭ ‬دوره‭ ‬تقديم‭ ‬اقتراحات‭ ‬تصب‭ ‬في‭ ‬مصلحة‭ ‬الوطن‭ ‬والمواطن‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬النواب‭ ‬مسؤوليتهم‭ ‬كاملة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬أفكار‭ ‬مدروسة‭ ‬ومجدية‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مستقبل‭ ‬أفضل،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬الانشغال‭ ‬باقتراحات‭ ‬غير‭ ‬ذات‭ ‬جدوى‭. ‬والله‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬القصد‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني