الوقوف في طابور الكسل!

| كمال الذيب

كم‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬متعب‭ ‬متابعة‭ ‬المحتوى‭ ‬البائس‭ ‬اليائس‭ ‬السائل‭ ‬المنتشر‭ ‬بسخفه‭ ‬وغلبة‭ ‬الهراء‭ ‬والادعاء‭ ‬والبلادة‭ ‬والاستعراض‭ ‬الفج‭ ‬الوقح‭.. ‬صور‭ ‬للأظافر‭ ‬والرموش‭ ‬البلاستيكية‭.. ‬كسالى‭ ‬غارقون‭ ‬في‭ ‬التثاؤب‭ ‬الوجداني،‭ ‬يجلسون‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬على‭ ‬ناصية‭ ‬مقهى‭ ‬التفاهة،‭ ‬ليرووا‭ ‬لنا‭ ‬قصة‭ ‬كوب‭ ‬القهوة‭ ‬الورقي‭ ‬المضرج‭ ‬بالهبل‭ ‬اليومي،‭ ‬ويد‭ ‬ممدودة‭ ‬بأظافر‭ ‬ملونة‭ ‬مزيفة‭ ‬بشعة‭. ‬العالم‭ ‬في‭ ‬واد‭ ‬وصورهم‭ ‬في‭ ‬واد‭ ‬آخر،‭ ‬لا‭ ‬حس‭ ‬ولا‭ ‬فهم‭ ‬ولا‭ ‬قيمة‭.. ‬عالم‭ ‬اليوم‭ ‬موحش‭ ‬في‭ ‬الفظاعات‭ ‬ضد‭ ‬إنسانية‭ ‬الإنسان‭: ‬إبادة‭ ‬وتجريف‭ ‬وتجويع،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬أصحاب‭ ‬الصورة‭ ‬يقفون‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬الكسل‭ ‬بلا‭ ‬حسٍّ‭ ‬إنساني‭ ‬ليعرضوا‭ ‬علينا‭ ‬قهوتهم‭ ‬البلاستيكية‭ ‬وألوان‭ ‬أظافرهم‭ ‬وبياض‭ ‬أسنانهم‭ ‬وتصفيفات‭ ‬شعورهم‭ ‬وأنواع‭ ‬الأصباغ‭ ‬التي‭ ‬يصبغون‭ ‬بها‭ ‬وجوههم،‭ ‬فيما‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬حولك‭ ‬يضيق‭ ‬فيه‭ ‬الخناق‭ ‬على‭ ‬“الإنساني”‭ ‬فيك،‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬بلاستيكي،‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬فيك‭ ‬مبرمج‭: ‬حركاتك،‭ ‬سكناتك،‭ ‬وخط‭ ‬سيرك،‭ ‬أفعالك،‭ ‬وردود‭ ‬أفعالك،‭ ‬حساباتك،‭ ‬كلماتك،‭ ‬قراءاتك‭ ‬وقهوتك‭ ‬البلاستيكية‭.. ‬تسير‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬بلا‭ ‬طيور‭ ‬تطير‭.. ‬الكل‭ ‬ينظر‭ ‬ولا‭ ‬ينظر،‭ ‬يسمع‭ ‬ولا‭ ‬يسمع،‭ ‬يتكلم‭ ‬ولا‭ ‬يتكلم،‭ ‬يرى‭ ‬ولا‭ ‬يرى،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬غير‭ ‬الصفيح‭ ‬ونوافذ‭ ‬البلاستك‭ ‬السريع‭ ‬تجردك‭ ‬من‭ ‬بقية‭ ‬باقية‭ ‬من‭ ‬البارحة،‭ ‬تلك‭ ‬البناية‭ ‬الزجاجية‭ ‬الشاهقة‭ ‬الواقفة‭ ‬بلا‭ ‬معنى،‭ ‬تسقط‭ ‬على‭ ‬الشارع،‭ ‬وتذهب‭ ‬بما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬روحك،‭ ‬تلملم‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬بقاياك،‭ ‬والخيبة‭ ‬طفل‭ ‬ينتظر‭ ‬الحلوى‭ ‬فيغلبه‭ ‬النعاس‭ ‬في‭ ‬طابور‭ ‬بلا‭ ‬روح،‭ ‬تقرأ‭ ‬في‭ ‬كفه‭: ‬“ممنوع‭ ‬الوقوف‭.. ‬ممنوع‭ ‬الخروج‭ ‬والجلوس‭ ‬والطعام،‭ ‬ممنوع‭ ‬أن‭ ‬تطير‭ ‬العصافير‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬طابور‭ ‬الرماد‭ ‬المعفر‭ ‬بالشظايا‭ ‬العابرة‭ ‬بخيلاء”‭. 

أخيرًا،‭ ‬يجلس‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬منك‭ ‬مرهقًا‭ ‬يطالع‭ ‬الساعة‭ ‬المندفعة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬سماء،‭ ‬وضجيج‭ ‬المعدن‭ ‬المنساب‭ ‬في‭ ‬الطريق،‭ ‬وما‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬روح‭ ‬الليل‭ ‬واليوم‭ ‬الذي‭ ‬قبله‭. ‬تسمع‭ ‬المنادي‭ ‬يعلن‭: ‬“ادخل‭ ‬كهفك‭ ‬واصرخ‭ ‬كما‭ ‬شئت‭.. ‬يا‭ ‬إلهي‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬موحش‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭: ‬لا‭ ‬شعر‭.. ‬لا‭ ‬شجر‭.. ‬لا‭ ‬ورد،‭ ‬ولا‭ ‬ضحكات‭ ‬تعطر‭ ‬المكان،‭ ‬كم‭ ‬هو‭ ‬موحش‭ ‬دخان‭ ‬الشوارع‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬بوابات‭ ‬النهر‭ ‬مسدودة‭. ‬تشتهي‭ ‬أن‭ ‬تطير‭.. ‬فلا‭ ‬تطير”‭.‬

• على‭ ‬الرصيف‭ ‬المقابل‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬صاحبةُ‭ ‬الأظافر‭ ‬الملونة‭ ‬تصور‭ ‬فنجان‭ ‬قهوتها‭ ‬المتثائب،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تموت‭ ‬يوم‭ ‬إجازتها‭ ‬الأسبوعية‭.‬

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني