فقاعة بطاقات الائتمان

| د. خالد الوزني

تشير‭ ‬الإحصاءات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬المديونية‭ ‬العالمية،‭ ‬للقطاعين‭ ‬الخاص‭ ‬والعام،‭ ‬تراجعت‭ ‬بنقطة‭ ‬مئوية‭ ‬واحدة‭ ‬مع‭ ‬نهاية‭ ‬العام‭ ‬2023‭ ‬بفعل‭ ‬تراجع‭ ‬مديونية‭ ‬الأفراد،‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬237‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي،‭ ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الأرقام‭ ‬تشير‭ ‬أيضا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المديونية‭ ‬الخاصة،‭ ‬للأفراد‭ ‬والشركات،‭ ‬تشكل‭ ‬نحو‭ ‬60‭ % ‬من‭ ‬الحجم‭ ‬الكلي‭ ‬للمديونية‭ ‬العالمية،‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬143‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬العالمي،‭ ‬وأن‭ ‬المديونية‭ ‬الفردية‭ ‬باتت‭ ‬تتعلق‭ ‬بميول‭ ‬استهلاكية‭ ‬بحتة،‭ ‬بعيدا‭ ‬عما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬الديون‭ ‬الفردية‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬أو‭ ‬الرأسمالية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬العقار،‭ ‬أو‭ ‬شراء‭ ‬الأسهم،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬تمويل‭ ‬المركبات‭ ‬والأثاث‭ ‬والمستلزمات‭ ‬المنزلية‭ ‬أو‭ ‬المكتبية‭ ‬الأخرى‭. ‬أي‭ ‬إن‭ ‬معظم‭ ‬المديونية‭ ‬الفردية‭ ‬تنصب‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬القروض‭ ‬الشخصية،‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭ ‬استخدامات‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬نفقات‭ ‬تسيير‭ ‬الأمور‭ ‬اليومية‭ ‬للحياة‭ ‬والسياحة‭ ‬والسفر،‭ ‬وقد‭ ‬تدخل‭ ‬فيها‭ ‬نفقات‭ ‬العلاج‭ ‬والتعليم‭ ‬وبعض‭ ‬النفقات‭ ‬الشخصية‭ ‬الأخرى‭.‬

 

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أظهرت‭ ‬جلسة‭ ‬استماع‭ ‬حديثا‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬الأمريكي‭ ‬مع‭ ‬الرؤساء‭ ‬التنفيذيين‭ ‬لكبرى‭ ‬شركات‭ ‬البطاقات‭ ‬الائتمانية،‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الشركات‭ ‬أصدرت‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحدها‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬720‭ ‬مليون‭ ‬بطاقة‭ ‬ائتمان‭ ‬خلال‭ ‬العام‭ ‬الحالي،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬بطاقتين‭ ‬لكل‭ ‬مواطن‭ ‬أمريكي،‭ ‬وأن‭ ‬حجم‭ ‬التعاملات‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬البطاقات‭ ‬تجاوز‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2024‭ ‬نحو‭ ‬1‭.‬17‭ ‬تريليون‭ ‬دولار،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬ثلث‭ ‬حجم‭ ‬مديونية‭ ‬البطاقات‭ ‬الائتمانية‭ ‬عالميا،‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬3‭.‬5‭ ‬تريليونات‭ ‬حتى‭ ‬منتصف‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭.‬

 

الميول‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬العالمية،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الناشئة،‭ ‬باتت‭ ‬تتحرك‭ ‬عبر‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان،‭ ‬ولعل‭ ‬المستفيد‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬هي‭ ‬شركات‭ ‬الائتمان،‭ ‬التي‭ ‬يتجاوز‭ ‬هامش‭ ‬الربح‭ ‬لديها‭ ‬نسبة‭ ‬50‭ %‬،‭ ‬ومن‭ ‬بعدها‭ ‬المصارف‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬والقروض‭ ‬الفردية‭ ‬تعويضا‭ ‬نوعيا‭ ‬ذا‭ ‬مخاطر‭ ‬منخفضة‭ ‬عما‭ ‬تعرضت‭ ‬إليه‭ ‬تلك‭ ‬البنوك‭ ‬إبان‭ ‬الأزمة‭ ‬العالمية‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2008‭.‬

 

بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬والقروض‭ ‬الفردية،‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬في‭ ‬مجموعها‭ ‬اليوم‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬150‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬أمريكي،‭ ‬هي‭ ‬الفقاعة‭ ‬العالمية‭ ‬القادمة‭ ‬بلا‭ ‬منازع‭. ‬استسهال‭ ‬إصدار‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬واستخدامها‭ ‬وتداولها،‭ ‬والشهية‭ ‬المفتوحة‭ ‬عليها‭ ‬قنبلة‭ ‬عالمية‭ ‬موقوتة،‭ ‬تتحرك‭ ‬بسرعة‭ ‬خفية،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تنفجر،‭ ‬وقد‭ ‬تأخذ‭ ‬معها‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المصارف‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬وتخفيف‭ ‬ذلك‭ ‬الأثر‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬عالمية‭ ‬لضبط‭ ‬الشهية‭ ‬المُفرِطة‭ ‬لدى‭ ‬الأفراد‭ ‬والمصارف‭ ‬في‭ ‬التهام‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الطُعُم‭.‬

 

قرارات‭ ‬بازل‭ ‬المختلفة‭ ‬التي‭ ‬تصدر‭ ‬لتنظم‭ ‬عمل‭ ‬البنوك،‭ ‬مازالت‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬ذلك،‭ ‬والمطلوب‭ ‬أن‭ ‬تتبنى‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬سياسات‭ ‬تحمي‭ ‬طرفي‭ ‬المعادلة؛‭ ‬المزود‭ ‬والمُستخدِم،‭ ‬والمندفعين‭ ‬دون‭ ‬حساب،‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬الرشد‭ ‬والتعقل‭ ‬وضبط‭ ‬الإيقاع‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬