الناس في حياتنا

| هدى حرم

‭ ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الناس،‭ ‬بل‭ ‬إننا‭ ‬مكتفون‭ ‬بأنفسنا،‭ ‬نحن‭ ‬السند‭ ‬لنا‭ ‬إن‭ ‬مال‭ ‬بنا‭ ‬الزمان،‭ ‬ونحن‭ ‬من‭ ‬يعرفنا‭ ‬حق‭ ‬المعرفة‭. ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬تجيد‭ ‬سوى‭ ‬الفتوى‭ ‬في‭ ‬مصائرنا‭ ‬وكيف‭ ‬يتوجّب‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتصرّف،‭ ‬وهم‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬كنه‭ ‬شعورنا،‭ ‬ولا‭ ‬كيف‭ ‬نفكر،‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬الصالح‭ ‬وغير‭ ‬المناسب‭ ‬لنا‭. ‬إن‭ ‬استفتيناهم‭ ‬في‭ ‬أمورنا‭ ‬مارسوا‭ ‬علينا‭ ‬دور‭ ‬المصلح،‭ ‬وإن‭ ‬جئناهم‭ ‬مستنجدين‭ ‬أداروا‭ ‬ظهورهم‭ ‬لنا،‭ ‬وإن‭ ‬كنا‭ ‬مفتقرين‭ ‬ما‭ ‬أعانونا،‭ ‬وإن‭ ‬أعانونا‭ ‬أعطونا‭ ‬قليلًا‭ ‬ومنّوا‭ ‬علينًا‭ ‬طويلًا‭. ‬نحن‭ ‬خير‭ ‬معين‭ ‬لنفوسنا‭ ‬المريضة،‭ ‬وأجسادنا‭ ‬المنهكة،‭ ‬وجيوبنا‭ ‬الفارغة‭ ‬إن‭ ‬تحلينا‭ ‬بالإيمان‭ ‬ولجأنا‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬للناس‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬مخلوق‭ ‬اجتماعي‭ ‬بامتياز،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يجيد‭ ‬العيش‭ ‬وحده‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الجماعة،‭ ‬وإن‭ ‬توفرت‭ ‬له‭ ‬كل‭ ‬سبل‭ ‬العيش‭ ‬والحياة‭ ‬الهانئة؛‭ ‬فالروح‭ ‬تحب‭ ‬الأرواح،‭ ‬وكلمة‭ ‬“أنس”‭ ‬اشتقت‭ ‬من‭ ‬“الإنسان”‭ ‬الذي‭ ‬يأنس‭ ‬بالناس‭ ‬ويتعايش‭ ‬معهم،‭ ‬فيتبادل‭ ‬معهم‭ ‬الأفكار‭ ‬والثقافات‭ ‬والعادات‭ ‬والمعتقدات‭. ‬هذا‭ ‬التبادل‭ ‬الذي‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬شخصية‭ ‬المرء؛‭ ‬فينتج‭ ‬فردًا‭ ‬فاعلًا،‭ ‬منتجًا،‭ ‬نافعًا‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمعات‭ ‬وازدهارها،‭ ‬ويضحي‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الأوطان‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬حياضها‭. ‬نعم،‭ ‬نحن‭ ‬محتاجون‭ ‬للناس؛‭ ‬فنحن‭ ‬نشكّل‭ ‬حبات‭ ‬متراصة‭ ‬في‭ ‬عقد‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينفرط،‭ ‬وإلا‭ ‬انفرطت‭ ‬الأمة‭ ‬وتبدّد‭ ‬شمل‭ ‬الجماعة‭ ‬وضعفت‭ ‬الشوكة‭ ‬وهان‭ ‬تسلط‭ ‬الخصوم‭ ‬عليها‭. ‬لكننا‭ ‬نحيا‭ ‬بزمن‭ ‬بات‭ ‬فيه‭ ‬الاختلاط‭ ‬بالناس‭ ‬مؤذيًا،‭ ‬والتعامل‭ ‬معهم‭ ‬مشوبًا‭ ‬بالحذر،‭ ‬فبتنا‭ ‬ننتقي‭ ‬تصرفاتنا،‭ ‬ونحسب‭ ‬للكلمة‭ ‬التي‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬أفواهنا‭ ‬ألف‭ ‬حساب‭ ‬درءًا‭ ‬للمشكلات‭ ‬وتحسبًا‭ ‬لسوء‭ ‬الفهم‭ ‬المفضي‭ ‬للقطيعة‭. ‬بتنا‭ ‬وبسبب‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬نتقوقع‭ ‬على‭ ‬أنفسنا،‭ ‬وننغلق‭ ‬على‭ ‬ذواتنا‭ ‬لتصغر‭ ‬دائرة‭ ‬معارفنا‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬ولتضيق‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬المجتمع‭ ‬الصغير،‭ ‬بل‭ ‬والأسرة‭ ‬الصغيرة‭ ‬التي‭ ‬ننتمي‭ ‬إليها‭. ‬

في‭ ‬حياة‭ ‬تزدحم‭ ‬بالمسؤوليات‭ ‬والانشغالات‭ ‬ويشتد‭ ‬فيها‭ ‬أوار‭ ‬الغيرة‭ ‬والحسد‭ ‬وعدم‭ ‬التماس‭ ‬الأعذار،‭ ‬وتحسس‭ ‬ظروف‭ ‬ومشاعر‭ ‬الآخرين،‭ ‬وسياسة‭ ‬الكيل‭ ‬بمكيالين‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬بين‭ ‬الناس،‭ ‬وتجاهل‭ ‬نداءات‭ ‬الاستغاثة‭ ‬خوفًا‭ ‬من‭ ‬بذل‭ ‬الجهد‭ ‬والمال،‭ ‬بات‭ ‬الاكتفاء‭ ‬بالنفس‭ ‬مفروضًا‭ ‬وإن‭ ‬خالف‭ ‬الرضا‭ ‬والقبول‭.‬