سوق خليجية للاقتصاد الرقمي

| أسامة مهران

‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭ ‬كانت‭ ‬القمة‭ ‬الخامسة‭ ‬والأربعون‭ ‬لمجلس‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬عقدت‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬الكويت‭ ‬الشقيقة‭ ‬مؤخرًا‭ ‬بمثابة‭ ‬التحول‭ ‬الإقليمي‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قيادة‭ ‬اقتصاد‭ ‬رقمي‭ ‬يستطيع‭ ‬ترجمة‭ ‬إنجازات‭ ‬التكامل‭ ‬والتحول‭ ‬التاريخي‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬التصورات‭ ‬الإقليمية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬من‭ ‬التقنية‭ ‬الحديثة،‭ ‬والوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬حماية‭ ‬أمن‭ ‬المعلومات،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬تقنية‭ ‬المعلومات‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬تقنيات‭ ‬وتطبيقات‭ ‬مبتكرة‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والتنوع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتجارة‭ ‬الإلكترونية‭.‬

وأهم‭ ‬ما‭ ‬يلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القمة‭ ‬أنها‭ ‬وقفت‭ ‬على‭ ‬أهم‭ ‬تحدٍ‭ ‬يواجه‭ ‬الدول‭ ‬ذات‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الناشئة‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تتطلع‭ ‬إلى‭ ‬تحديث‭ ‬البنية‭ ‬الأساسية‭ ‬لقواعد‭ ‬النمو‭ ‬والنماء‭ ‬المستدام،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬كانت‭ ‬على‭ ‬المحك‭ ‬تلك‭ ‬الترجمة‭ ‬الحيوية‭ ‬لمختلف‭ ‬اعتبارات‭ ‬التعاون‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬الست‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تكوين‭ ‬اقتصاد‭ ‬متقدم‭ ‬وقادر‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬ثورة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬الدولية،‭ ‬وهجمة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬الحيوية،‭ ‬ومضاعفة‭ ‬الجهود‭ ‬الرامية‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬مركز‭ ‬عالمي‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬المركز‭ ‬زاخرًا‭ ‬بالكفاءات‭ ‬والكوادر‭ ‬البشرية‭ ‬القديرة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تسويق‭ ‬المهارات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بهذه‭ ‬الصناعة‭ ‬الرقمية‭ ‬الجديدة‭. ‬قمة‭ ‬الكويت‭ ‬لم‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬وكأنه‭ ‬شيء‭ ‬لم‭ ‬يكن،‭ ‬فلا‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬السوق‭ ‬الخليجية‭ ‬المشتركة‭ ‬والاتحاد‭ ‬الجمركي‭ ‬الخليجي‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرض‭ ‬تصورات‭ ‬سليمة‭ ‬عن‭ ‬أهمية‭ ‬التكامل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بشكله‭ ‬التقليدي‭ ‬وتحويل‭ ‬مجرى‭ ‬الطموح‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬اقتصاديات‭ ‬تقليدية‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬التعاون‭ ‬والتنسيق،‭ ‬إلى‭ ‬اقتصاديات‭ ‬رقمية‭ ‬تواجه‭ ‬التحدي‭ ‬التكنولوجي‭ ‬بقوة‭ ‬دفع‭ ‬جماعية‭. ‬

بدلًا‭ ‬من‭ ‬التحرك‭ ‬القطري‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬تصعب‭ ‬معه‭ ‬حرية‭ ‬الحركة‭ ‬وسط‭ ‬عالم‭ ‬مكتظ‭ ‬بخوارزميات‭ ‬التطوير‭ ‬وإحداثيات‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬بقدرة‭ ‬فائقة‭ ‬على‭ ‬البقاء،‭ ‬بل‭ ‬وبخاصية‭ ‬مشتركة‭ ‬أكثر‭ ‬منعة‭ ‬وتفوقًا‭ ‬عند‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬وقفت‭ ‬قمة‭ ‬الكويت‭ ‬مع‭ ‬المحور‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ومن‭ ‬عتبة‭ ‬التوازن‭ ‬المالي‭ ‬أو‭ ‬التنسيق‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬أبجديات‭ ‬أو‭ ‬بديهيات‭ ‬التكامل،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬القمة‭ ‬حريصة‭ ‬كل‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬الاقتصاديات‭ ‬الراهنة،‭ ‬وإكسابها‭ ‬الأدوات‭ ‬والآليات‭ ‬المتوافقة‭ ‬مع‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬العصر‭ ‬ورقمنة‭ ‬معطياته،‭ ‬هنا‭ ‬يأتي‭ ‬مربط‭ ‬الفرس،‭ ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬التحدي‭ ‬القادم‭ ‬سحابيًّا‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬ممددًا‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬رأسيًّا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬أفقيًّا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الحجم‭ ‬ولا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬النوعي‭ ‬أو‭ ‬الكيفي‭.‬

قمة‭ ‬الكويت‭ ‬أنجزت‭ ‬وأوضحت‭ ‬مواقف‭ ‬إقليم‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأقاليم‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬ليس‭ ‬تجاه‭ ‬قضايانا‭ ‬المصيرية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ولبنان‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وسوريا‭ ‬فحسب،‭ ‬إنما‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬بناء‭ ‬مجتمعات‭ ‬متقدمة‭ ‬تستطيع‭ ‬مواجهة‭ ‬الأزمات‭ ‬وتديرها‭ ‬بعقلية‭ ‬رقمية‭ ‬جديدة‭ ‬وليست‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بديهيات‭ ‬أو‭ ‬تصورات‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تتبخر‭ ‬أو‭ ‬يدركها‭ ‬النسيان‭.‬