اشهد يا عالم على غزة

| سليم مصطفى بودبوس

‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يحتفل‭ ‬فيه‭ ‬العالم‭ ‬باليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للتضامن‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬يتوغّل‭ ‬العدو‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬إبادة‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬والتنكيل‭ ‬بسكان‭ ‬الشمال‭ ‬ودحرهم‭ ‬عنوة‭ ‬لترك‭ ‬ديارهم‭ ‬المدمّرة‭ ‬وأشلاء‭ ‬شهدائهم‭ ‬المبعثرة‭ ‬بين‭ ‬الأنقاض،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬أجساد‭ ‬شباب‭ ‬فلسطين‭ ‬الأبطال‭ ‬تتبخّر‭ ‬بالقنابل‭ ‬الدخانية‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬جباليا،‭ ‬وبيت‭ ‬لاهيا‭ ‬يستصرخ‭ ‬العالم‭ ‬وما‭ ‬من‭ ‬مجيب،‭ ‬وها‭ ‬هي‭ ‬الصهيونية‭ ‬تكتب‭ ‬بسلاح‭ ‬أميركي‭ ‬ودعم‭ ‬غربي‭ ‬أبشع‭ ‬أسطر‭ ‬الحروب‭ ‬على‭ ‬مرّ‭ ‬التاريخ‭.‬

صحيح‭ ‬أنّ‭ ‬البشرية‭ ‬مرّت‭ ‬بحروب‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬ودمار‭ ‬عظيم‭ ‬خلدته‭ ‬بعض‭ ‬القصائد‭ ‬أو‭ ‬الروايات‭ ‬التاريخية‭ ‬عن‭ ‬التتار‭ ‬والمغول‭ ‬وغيرهم،‭ ‬وصحيح‭ ‬أيضًا‭ ‬أنّ‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬شهد‭ ‬حروبَ‭ ‬إبادة‭ ‬وجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬ذهب‭ ‬ضحيّتها‭ ‬ملايين،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وكذا‭ ‬صحيح‭ ‬أيضًا‭ ‬ما‭ ‬خلّفه‭ ‬الاقتتال‭ ‬الطائفي‭ ‬هنا‭ ‬وهناك‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬وتشريد‭.. ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬توثيق‭ ‬تلك‭ ‬الجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بالشكل‭ ‬الذي‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬غزة‭. ‬فمن‭ ‬منكم‭ ‬لم‭ ‬يشاهد‭ ‬اليوم‭ ‬المشهد‭ ‬الصادم‭ ‬حين‭ ‬تعرض‭ ‬شاب‭ ‬فلسطيني‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬جباليا‭ ‬شمالي‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬لإصابة‭ ‬خطيرة‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ ‬جراء‭ ‬استهدافه‭ ‬بقنبلة‭ ‬دخانية‭ ‬ألقاها‭ ‬جنود‭ ‬الاحتلال‭ ‬عليه‭ ‬مباشرة؟‭ ‬أليست‭ ‬هذه‭ ‬من‭ ‬أبشع‭ ‬صور‭ ‬الحروب‭ ‬وحشية‭ ‬ينفذها‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بسلاح‭ ‬أميركي‭ ‬ومباركة‭ ‬غربية‭ ‬وشرقية‭ ‬وصمت‭ ‬رهيب؟‭ ‬إنّ‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬أبلغ‭ ‬من‭ ‬الكلمة،‭ ‬وما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬يؤكد‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أنّ‭ ‬الكيان‭ ‬يتفنّن‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬الأساليب‭ ‬الأشدّ‭ ‬وحشيةً‭ ‬لقتل‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭. ‬

إنها‭ ‬أشكال‭ ‬جديدة‭ ‬وأساليب‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬التاريخ؛‭ ‬إذْ‭ ‬الموت‭ ‬بقنبلة‭ ‬تخترق‭ ‬الجسد‭ ‬وتنفجر‭ ‬داخله‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬البشاعة‭ ‬واللامبالاة‭ ‬بالحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬غزة‭.‬

لاشك‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬البشاعة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الأبرياء‭ ‬العزّل‭ ‬في‭ ‬الخيام،‭ ‬الرافضين‭ ‬ترك‭ ‬ديارهم‭ ‬قسرًا،‭ ‬المتمسّكين‭ ‬بحقهم‭ ‬التاريخي‭ ‬في‭ ‬أرضهم،‭ ‬هذه‭ ‬البشاعة‭ ‬أدّت‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬شديد‭ ‬في‭ ‬مصداقية‭ ‬هذا‭ ‬الكيان‭ ‬لدى‭ ‬داعميه،‭ ‬بل‭ ‬ربما‭ ‬خلقت‭ ‬صورة‭ ‬نمطية‭ ‬جديدة‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬الصهيونية‭ ‬والقمع‭ ‬والإمبريالية،‭ ‬ولاسيما‭ ‬لدى‭ ‬المنظمات‭ ‬الحقوقية‭ ‬وطلبة‭ ‬الجامعات‭ ‬وعامة‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬الغربية‭.‬

لكن‭ ‬تبقى‭ ‬الحرب‭ ‬بشعة‭ ‬مهما‭ ‬تقلصت‭ ‬خسائرها،‭ ‬وبشعة‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬حججها،‭ ‬وبعض‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭ ‬نسيناه‭ ‬لفقدان‭ ‬الوثائق‭ ‬والأدلة‭ ‬عليه،‭ ‬وبعضها‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يؤثر‭ ‬فينا‭ ‬كما‭ ‬الأفلام‭ ‬الوثائقية‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬والثانية‭.. ‬أمّا‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬أبشع‭ ‬الحروب‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬وسيبقى‭ ‬شاهدًا‭ ‬أبدًا‭ ‬على‭ ‬بؤس‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه‭ ‬وتهاونه‭ ‬مع‭ ‬الحق‭ ‬الفلسطيني‭.‬