سوق الخضرة السياسي

| سيد ضياء الموسوي

نتحسس‭ ‬جمر‭ ‬الاحتراق‭ ‬ونحن‭ ‬نسير‭ ‬على‭ ‬خارطة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬التي‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬حبل‭ ‬مشدود‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬معقدة‭ ‬بين‭ ‬برغماتيات‭ ‬ودوماغوجية‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تجيد‭ ‬فن‭ ‬اللعب‭ ‬بتوزيع‭ ‬السم‭ ‬والعسل‭ ‬في‭ ‬لعبة‭ ‬التوازنات،‭ ‬بين‭ ‬الحقوق‭ ‬و‭ ‬“النفوق‭ ‬البشري”‭ ‬وبين‭ ‬جوالة‭ ‬الموت‭ ‬ممن‭ ‬يقومون‭ ‬على‭ ‬تسييس‭ ‬الدين‭.‬

هذه‭ ‬الحرائق‭ ‬المتنقلة‭ ‬لشهيات‭ ‬ليس‭ ‬لها‭ ‬حدود‭ ‬في‭ ‬اقتطاع‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬الخريطة‭ ‬العربية‭ ‬المقطعة‭ ‬ككعكة‭ ‬عيد‭ ‬ميلاد‭ ‬ثمنها‭ ‬باهض،‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬الثمن‭ ‬تحول‭ ‬المناطق‭ ‬الآمنة‭ ‬إلى‭ ‬بخار‭ ‬ورماد‭ ‬وتراب‭ ‬وشتات‭ ‬الشتات‭.‬

قالها‭ ‬أنيس‭ ‬منصور‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬“السياسة‭ ‬فن‭ ‬السفالة‭ ‬الأنيق“،‭ ‬إنها‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الإباحية‭ ‬السياسية‭ ‬المغلفة‭ ‬بالأحجبة‭.‬

مقولة‭ ‬أنيس‭ ‬منصور‭ ‬طالما‭ ‬وضعها‭ ‬ميكافيللي‭ ‬في‭ ‬كؤوس‭ ‬خمر‭ ‬عباراته‭ ‬المعتقة‭ ‬من‭ ‬كتابه‭ ‬البرغماتي‭ (‬الأمير‭).‬

هذه‭ ‬قصة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬طالما‭ ‬هناك‭ ‬عصافير‭ ‬جميلة‭ ‬سيكثر‭ ‬الصيادون،‭ ‬وطالما‭ ‬هناك‭ ‬مناجم‭ ‬ذهب‭ ‬سيتكاثر‭ ‬المنقبون‭.‬

لا‭ ‬شيء‭ ‬يوجع‭ ‬قناعاتي‭ ‬الثقافية‭ ‬مثل‭ ‬رؤية‭ ‬تعملق‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬بكل‭ ‬أطيافه‭ ‬وحمضه‭ ‬المذهبي؛‭ ‬لأني‭ ‬على‭ ‬يقين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تعملق‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬أيا‭ ‬تكن‭ ‬دورته‭ ‬الدموية‭ ‬المذهبية‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬ضياع‭ ‬الحداثة،‭ ‬وضعف‭ ‬الحضارة،‭ ‬وإضعاف‭ ‬الدولة‭.‬

أنا‭ ‬من‭ ‬دعاة‭ ‬ما‭ ‬لله‭ ‬لله‭ ‬وما‭ ‬لقيصر‭ ‬لقيصر‭ ‬حبا‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خوفا‭ ‬على‭ ‬الفقراء‭ ‬والدولة‭ ‬والحضارة‭.‬

وخرافة‭ ‬الدولة‭ ‬الدينية‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬ضياع‭ ‬حتى‭ ‬الدين‭.‬

لذلك‭ ‬أنا‭ ‬من‭ ‬دعاة‭ ‬فصل‭ ‬الدين‭ ‬عن‭ ‬السياسة،‭ ‬وأن‭ ‬دور‭ ‬الدين‭ ‬الوعظ‭ ‬الديني‭ ‬وبحدود‭ ‬دون‭ ‬رمي‭ ‬الحرية‭ ‬الشخصية‭ ‬للإنسان‭ ‬هدية‭ ‬على‭ ‬موائد‭ ‬المتعصبين‭ ‬يقضمونها‭ ‬كما‭ ‬يقضمون‭ ‬الجواري‭ ‬الحسان‭.‬

أنا‭ ‬مع‭ ‬الوعظ‭ ‬وليس‭ ‬العض،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬أؤمن‭ ‬بشرطة‭ ‬عقيدة‭ ‬تتلصص‭ ‬على‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬فتحة‭ ‬الباب،‭ ‬ولا‭ ‬أؤمن‭ ‬بفرض‭ ‬الدين‭ ‬بقوة‭ ‬الكرباج‭. ‬

تجربة‭ ‬أفغانستان‭ ‬تتكرر‭ ‬بصور‭ ‬مختلفة،‭ ‬وتتنقل‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وكذلك‭ ‬الإخوان‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬وحزب‭ ‬الدعوة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وعنتريات‭ ‬الصدر‭ ‬إلخ‭ ‬كلها‭ ‬غير‭ ‬صالحة‭ ‬للحضارة،‭ ‬فهي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬فريسة‭ ‬خرائط‭ ‬تسد‭ ‬تاريخ‭ ‬الجوع‭ ‬والعطش‭ ‬الطويل‭ ‬لإقامة‭ ‬“الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬الموعودة‭ ‬“‭ ‬ونشوة‭ ‬الحكم‭ ‬وجاذبية‭ ‬الكرسي‭ ‬الموشى‭ ‬خداعا‭ ‬بأغلفة‭ ‬الزهد‭ ‬وماء‭ ‬الوضوء‭. ‬‭(‬

والأفضل‭ ‬للشعوب‭ ‬الإسلام‭ ‬الشعبي‭ ‬الطيب‭ ‬الرصين،‭ ‬المتسامح‭ ‬البعيد‭ ‬عن‭ ‬السياسة،‭ ‬إسلام‭ ‬الأجداد‭ ‬المتمسكين‭ ‬بالأصالة،‭ ‬والمتصالحين‭ ‬مع‭ ‬الأديان‭ ‬والأوطان‭ ‬وعلى‭ ‬علاقة‭ ‬وطنية‭ ‬بدولهم‭ ‬وحكامهم،‭ ‬ولا‭ ‬يؤمنون‭ ‬ببناء‭ ‬دولة‭ ‬داخل‭ ‬دولة،‭ ‬ويربون‭ ‬أبناءهم‭ ‬على‭ ‬الأخلاق‭ ‬والقيم‭ ‬والتسامح‭ ‬والعلم‭ ‬والتجارة‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬وغير‭ ‬متوترين‭ ‬تجاه‭ ‬الحداثة‭.‬

كخليجيين،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬نشرب‭ ‬ذات‭ ‬كأس‭ ‬المر‭ ‬المسموم‭ ‬الذي‭ ‬شربناه‭ ‬لسنين‭ ‬طويلة،‭ ‬والذي‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬آخره‭ ‬سم‭ ‬الربيع‭ ‬العربي‭.‬

نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬سياسية‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬فكر‭ ‬جون‭ ‬لوك‭ ‬وفولتير‭ ‬وروسو‭ ‬وبرنارد‭ ‬راسل‭ ‬وزيلاند‭ ‬وديفيد‭ ‬هاوكنز؛‭ ‬لإعادة‭ ‬فهمنا‭ ‬للحياة،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬النوم‭ ‬على‭ ‬سرير‭ ‬الماضي،‭ ‬فنصاب‭ ‬بذبحة‭ ‬صدرية‭ ‬من‭ ‬هلوسة‭ ‬عقدية‭ ‬لا‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭.‬

لا‭ ‬نريد‭ ‬حكومات‭ ‬ملتحية‭ ‬لا‭ ‬شيعية‭ ‬ولا‭ ‬سنية،‭ ‬لا‭ ‬يهودية‭ ‬ولا‭ ‬مسيحية،‭ ‬يحكمنا‭ ‬بشر‭ ‬يدعون‭ ‬أنهم‭ ‬وكلاء‭ ‬عن‭ ‬الله‭.‬

دولنا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وخصوصا‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬حداثوية‭ ‬تحترم‭ ‬الدين‭ ‬وتتبنى‭ ‬الحداثة،‭ ‬فلا‭ ‬داعي‭ ‬لعنتريات‭ ‬دينية‭.‬

يقول‭ ‬أليكسي‭ ‬بيكوف‭ ‬“نجنا‭ ‬يا‭ ‬رب،‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يعتقدون‭ ‬أنهم‭ ‬ينفذون‭ ‬مشيئتك‭ ‬“،‭ ‬ويقول‭ ‬الأديب‭ ‬السوري‭ ‬محمد‭ ‬الماغوط‭ ‬‏‭(‬عمرها‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬مشكلتنا‭ ‬مع‭ ‬الله،‭ ‬مشكلتنا‭ ‬مع‭ ‬الذين‭ ‬يدعون‭ ‬أنهم‭ ‬بعد‭ ‬الله‭).‬

نحن‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬نمتاز‭ ‬بنعمة‭ ‬الأمن‭ ‬والأمان‭ ‬لذلك‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬عليها،‭ ‬ونحافظ‭ ‬على‭ ‬مكتسباتنا،‭ ‬ونبني‭ ‬عليها‭ ‬مبتعدين‭ ‬كل‭ ‬البعد‭ ‬عن‭ ‬إقحام‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬السياسة‭.‬

يقول‭ ‬نزار‭ ‬قباني‭: ‬أنعي‭ ‬لكم‭ ‬كلامنا‭ ‬المثقوب‭ ‬كالأحذية‭ ‬القديمه‭ ‬أنعي‭ ‬لكم‭ ‬نهاية‭ ‬الفكر‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬الهزيمه‭.‬

لبنان‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬هيبة‭ ‬الدولة‭ ‬وترسيخ‭ ‬الدولة‭ ‬كقوة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬مشاريع‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬داخل‭ ‬دولة،‭ ‬وسوريا‭ ‬لا‭ ‬تتحمل‭ ‬مزيدا‭ ‬من‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية،‭ ‬والانقاسامات‭ ‬الجغرافية‭ ‬فتقطع‭ ‬مثل‭ ‬كعكة‭ (‬Sponge Cake‭) ‬باسم‭ ‬الإله‭.‬

القمة‭ ‬الخليجية‭ ‬الأخيرة‭ ‬في‭ ‬الكويت‭ ‬ركزت‭ ‬بقادتها‭ ‬على‭ ‬خيار‭ ‬الوحدة‭ ‬العربية،‭ ‬والتماسك‭ ‬الخليجي‭ ‬والعربي‭ ‬والعالمي،‭ ‬ونحن‭ ‬كخليجين‭ ‬دائما‭ ‬وأبدا‭ ‬نتطلع‭ ‬للنجوم‭ ‬بحكمة‭ ‬قادتنا،‭ ‬قادة‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭.‬

المتطرفون‭ - ‬أيا‭ ‬يكن‭ ‬حمضهم‭ ‬النووي‭ - ‬في‭ ‬شهية‭ ‬متزايدة‭ ‬لقضم‭ ‬التفاح‭ ‬السياسي‭ ‬المبعثر‭ ‬على‭ ‬أرصفة‭ ‬الانقسامات،‭ ‬لكن‭ ‬عليهم‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬سوق‭ ‬خضرة‭ ‬سياسي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬أو‭ ‬الخليج‭.‬