خلاصات حول معضلة التحول الديمقراطي العربي (5)

| كمال الذيب

‭ ‬القول‭ ‬بحتمية‭ ‬التحول‭ ‬الديمقراطي‭ ‬لا‭ ‬خلاف‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬صيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬وليست‭ ‬قفزة‭ ‬خارج‭ ‬الزمن‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬وجب‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬الآتي‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬تحقيق‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬قد‭ ‬استغرق‭ ‬عدة‭ ‬قرون،‭ ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تحقيقها‭ ‬عربيًّا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستغرق‭ ‬زمنًا‭ ‬طويلًا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحوّلات‭ ‬الدولية‭ ‬والإقليمية‭ ‬وما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬انعكاسات‭ ‬ومخاطر،‭ ‬واستحقاقات‭ ‬الداخل‭ ‬وتطلعاته‭ ‬المشروعة‭. ‬لكن‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذلك‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬نشر‭ ‬الثقافة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ووضع‭ ‬أطرها‭ ‬التنظيمية،‭ ‬وتحرير‭ ‬الفرد‭ ‬من‭ ‬سلطان‭ ‬الطائفية‭ ‬والعشائرية‭ ‬والعرقية‭ ‬والمناطقية‭ ‬التي‭ ‬تعيق‭ ‬التحول،‭ ‬مع‭ ‬القناعة‭ ‬بأن‭ ‬تحقيق‭ ‬التحول‭ ‬الديمقراطي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بحسب‭ ‬أوضاع‭ ‬كل‭ ‬مجتمع،‭ ‬تجنبًا‭ ‬للهزات‭ ‬التي‭ ‬تعيد‭ ‬المجتمعات‭ ‬إلى‭ ‬المربع‭ ‬الأول‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أسوأ‭ ‬منه‭.‬

‭ ‬الديمقراطية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬فعل‭ ‬إرادي‭ ‬لحظوي‭ ‬أو‭ ‬صناديق‭ ‬اقتراع‭ ‬يحتكم‭ ‬إليها‭ ‬الناخبون‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قناعات‭ ‬وضوابط‭ ‬وضمانات،‭ ‬فالصناديق‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تسمح‭ ‬للفائزين‭ ‬بضرب‭ ‬الحرية‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الاستبداد،‭ ‬فالحزبان‭ ‬الفاشي‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬والنازي‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬وصلا‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬عبر‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬انقلبا‭ ‬على‭ ‬الحرية‭ ‬ودمّرا‭ ‬بلديهما‭ ‬والعالم‭. ‬ولدينا‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬العربية‭ ‬مؤشرات‭ ‬مقلقة‭ ‬حول‭ ‬استبداد‭ ‬جماعات‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬الحرية‭ ‬ولا‭ ‬تقبل‭ ‬مدنية‭ ‬الدولة،‭ ‬وتشكل‭ ‬عقبة‭ ‬كبيرة‭ ‬أمام‭ ‬تحرير‭ ‬الإنسان‭ ‬والمجتمع‭ ‬من‭ ‬التشابك‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والسياسة‭ ‬أو‭ ‬استغلال‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬السياسة،‭ ‬لذلك‭ ‬فالفصل‭ ‬بينهما‭ ‬استحقاق‭ ‬لابد‭ ‬منه‭. ‬

التوافق‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬ضروري‭ ‬ضرورة‭ ‬الديمقراطية‭ ‬نفسها‭. ‬التوافق‭ ‬حول‭ ‬مشروع‭ ‬مجتمعي‭ ‬سياسي‭ ‬مدني‭. ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬حاليًّا‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الأفق‭ ‬الديمقراطي‭ ‬العربي‭ ‬مفتوحًا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬تحقيق‭ ‬ذلك‭.‬

 

وتبقى‭ ‬ملاحظتان‭ ‬نختم‭ ‬بهما‭:‬

الأولى‭: ‬أن‭ ‬التواطؤ‭ ‬مع‭ ‬الأجنبي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تحقيق‭ ‬ديمقراطية‭ ‬ما،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬بنائها،‭ ‬فما‭ ‬ينتجه‭ ‬التواطؤ‭ ‬لا‭ ‬شرعية‭ ‬له،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬أخطر‭ ‬على‭ ‬المجتمعات‭ ‬من‭ ‬الاستبداد‭ ‬نفسه‭.‬

الثانية‭: ‬أهمية‭ ‬تجاوز‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭ ‬بأن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬تتحقق‭ ‬بمجرد‭ ‬وصولهم‭ ‬للسلطة‭ ‬أو‭ ‬تقاسمها‭ ‬مع‭ ‬آخرين،‭ ‬حيث‭ ‬أكدت‭ ‬التجارب‭ ‬عدم‭ ‬جدوى‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التلفيق‭ ‬الديمقراطي‭ ‬المنتهي‭ ‬بالخيبة‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني