زيارة تاريخية لمستقبل واعد بين عمان وتركيا

| د. أحمد بن سالم باتميرا

‭ ‬سيظل‭ ‬الثامن‭ ‬والعشرون‭ ‬من‭ ‬نوفمبر‭ ‬2024‭ ‬محفورًا‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬العماني‭ ‬التركي،‭ ‬بزيارة‭ ‬“دولة”‭ ‬لحضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬السلطان‭ ‬هيثم‭ ‬بن‭ ‬طارق‭ ‬المعظم‭ ‬لجمهورية‭ ‬تركيا،‭ ‬والتي‭ ‬جسّدت‭ ‬عمق‭ ‬العلاقات‭ ‬الطيبة‭ ‬والتاريخية‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬الصديقين،‭ ‬والتي‭ ‬ترجع‭ ‬لعام‭ ‬1824‭ ‬عندما‭ ‬نظم‭ ‬الوالي‭ ‬العثماني‭ ‬محمد‭ ‬علي‭ ‬باشا‭ ‬حفل‭ ‬استقبال‭ ‬للسلطان‭ ‬سعيد‭ ‬بن‭ ‬سلطان‭ ‬البوسعيدي‭ ‬خلال‭ ‬زيارته‭ ‬لأداء‭ ‬مناسك‭ ‬الحج،‭ ‬وتم‭ ‬خلالها‭ ‬تعزيز‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬بين‭ ‬الامبراطوريتين‭ ‬العمانية‭ ‬والعثمانية‭ ‬في‭ ‬لقاء‭ ‬بمكة‭ ‬المكرمة‭.

 

واليوم‭ ‬وبعد‭ ‬55‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬وتاريخ‭ ‬يمتد‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬قرون‭ ‬نظّم‭ ‬لجلالة‭ ‬السلطان‭ ‬هيثم‭ ‬بن‭ ‬طارق‭ ‬المعظم‭ ‬استقبال‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬التركية‭ ‬أنقرة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجسّد‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬الحميمة،‭ ‬فالزيارة‭ ‬تفتح‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬مسقط‭ ‬وأنقرة،‭ ‬وبداية‭ ‬عهد‭ ‬جديد‭ ‬مقرون‭ ‬بالإنجازات‭ ‬في‭ ‬قادم‭ ‬الأيام‭ ‬والسنين،‭ ‬فالسلطان‭ ‬هيثم‭ ‬والرئيس‭ ‬أردوغان‭ ‬يعيدان‭ ‬رسم‭ ‬خارطة‭ ‬المستقبل‭ ‬بين‭ ‬الامبراطوريتين‭ ‬العمانية‭ ‬والعثمانية،‭ ‬حيث‭ ‬شهدا‭ ‬توقيع‭ ‬عشر‭ ‬اتفاقيات‭ ‬ومذكرات‭ ‬ستنقل‭ ‬العلاقات‭ ‬بينهما‭ ‬لآفاق‭ ‬أرحب‭ ‬كون‭ ‬البلدين‭ ‬يملكان‭ ‬إرثًا‭ ‬تاريخيًّا‭ ‬وثقافيًّا‭ ‬وسياسيًّا‭ ‬قويًّا‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور‭. ‬فتركيا‭ ‬تعتبر‭ ‬دولة‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬وتبقى‭ ‬لاعبًا‭ ‬مهمًّا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القضايا‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬البلدين‭ ‬يتطلعان‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬علاقات‭ ‬وثيقة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الجوانب‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الاستثمار‭ ‬والاقتصاد‭. ‬

 

ورفع‭ ‬حجم‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬ليصل‭ ‬لحوالي‭ ‬5‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬كما‭ ‬ذكر‭ ‬الرئيس‭ ‬رجب‭ ‬طيب‭ ‬أردوغان‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬تركيا‭ ‬إلى‭ ‬مئويتها‭ ‬الثانية‭ ‬كجمهورية‭ ‬بعد‭ ‬انتخابات‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬تركيا‭ ‬الحديث‭.‬

 

فاليوم‭ ‬مسقط‭ ‬وأنقرة‭ ‬تعيشان‭ ‬عهدًا‭ ‬جديدًا،‭ ‬عهد‭ ‬السلطان‭ ‬هيثم‭ ‬ورؤيته‭ ‬لمستقبل‭ ‬البلاد‭ ‬داخليًّا‭ ‬وخارجيًّا،‭ ‬وأردوغان‭ ‬بعد‭ ‬فوزه‭ ‬بالانتخابات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لذا‭ ‬فإن‭ ‬الزيارة‭ ‬ستضيف‭ ‬لبنة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬صرح‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬الشقيقين‭ ‬وتعزز‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشراكات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬الواعدة‭.‬

 

وهناك‭ ‬أيضًا‭ ‬تطابق‭ ‬تام‭ ‬في‭ ‬رؤية‭ ‬البلدين‭ ‬للعديد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬والملفات‭ ‬الملتهبة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم،‭ ‬وأثبتت‭ ‬الأحداث‭ ‬أن‭ ‬مسقط‭ ‬وأنقرة‭ ‬تقفان‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬حيال‭ ‬كل‭ ‬الأزمات،‭ ‬واليوم‭ ‬نحن‭ ‬في‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭ ‬نعتز‭ ‬بهذه‭ ‬العلاقة‭ ‬التي‭ ‬تربطنا‭ ‬بالأشقاء‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬والتي‭ ‬تجاوزت‭ ‬الأطر‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬التقليدية‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬لتصبح‭ ‬علاقات‭ ‬أخوية‭ ‬طيبة‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬العلاقات‭ ‬المتجذرة‭ ‬التاريخية‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لمسناه‭ ‬من‭ ‬كلمتي‭ ‬الزعيمين‭ ‬وجلسة‭ ‬المباحثات‭ ‬التي‭ ‬استعرضت‭ ‬علاقات‭ ‬التعاون‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬وسبل‭ ‬تعزيزها،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬مجالي‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والاستثمار‭.‬

 

كلنا‭ ‬نعلم‭ ‬أن‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬شهدت‭ ‬تطورًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاستثماري‭ ‬والثقافي،‭ ‬وعزّز‭ ‬البلدان‭ ‬هذه‭ ‬العلاقات‭ ‬المتميزة‭ ‬بتوقيع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الثنائية‭ ‬ومذكرات‭ ‬التفاهم‭ ‬التي‭ ‬ستفتح‭ ‬آفاقا‭ ‬جديدة‭ ‬للشراكة‭ ‬العمانية‭ ‬التركية،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬للبلدين‭.‬

 

إنَّ‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬تؤكد‭ ‬ـ‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدعُ‭ ‬مجالًا‭ ‬للشَّك‭ ‬ـ‭ ‬أن‭ ‬مستقبلَ‭ ‬العلاقاتِ‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬سينتقل‭ ‬للأمام‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬الزيارة‭ ‬الموفقة،‭ ‬وما‭ ‬ستتبعها‭ ‬من‭ ‬زيارات‭ ‬بين‭ ‬مسؤولي‭ ‬البلدين‭ ‬ستعمل‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬مصالحهما‭ ‬المشتركة‭.. ‬والله‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬القصد‭.‬

‭ ‬كاتب‭ ‬ومحلل‭ ‬سياسي‭ ‬عماني