29 نوفمبر.. ماذا بعد التضامن؟
| سليم مصطفى بودبوس
دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1977 إلى الاحتفال في يوم 29 نوفمبر من كل عام باليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. والحقيقة أنّ هذه القضية لم تشهد في تاريخها تضامنا شعبيًّا عالميًّا مثلما شهدته في نهاية العام 2023 والعام 2024 بالنظر إلى ما أوغل فيه الاحتلال الصهيوني من انتهاك لكل القيم الإنسانية وما اقترفه على أرض غزة من جرائم مروّعة ومجازر جماعية يومية، فضلًا عن استخدام سلاح التجويع والتعطيش والحصار وقصف المستشفيات والمدارس والنازحين في الخيام. ولكن ما جدوى هذا التضامن على أرض الواقع؟ وماذا تحقّق للأطفال المحاصرين المحرومين من حق الحياة والأمن والتعليم وغيرها من حقوق الطفل في غزة؟ هل أثر هذا التضامن الشعبي العالمي والرسمي على آلة الحرب الصهيونية؟ هل آن الأوان إلى تعديل مفهوم التضامن نحو التدخّل أم فات الأوان؟ اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني هو اعتراف عالمي بعدالة القضية الفلسطينية وتصديق لصاحب الحق، لمن يملك الحق التاريخي في هذه الأرض العربية الفلسطينية أبًا عن جد.. اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني هو دعم لنضال الفلسطينيين السياسي والوطنيّ ضدّ آلة البطش الصهيونيّة وأذرعها الإعلاميّة. لكن، لو قارنا بين التضامن المعلن والخفيّ مع دولة الاحتلال والتضامن الدولي مع الفلسطينيين لرأينا كيف تكيل الدول بمكاييل مختلفة، لرأينا كيف هبّت دول عديدة لنصرة إسرائيل بالسلاح والمال. خصوصًا بعد طوفان الأقصى، ورأينا كيف قدّموا بذلك نموذجًا ناصعًا عن تضامنهم من منطلقاتهم “الأخلاقية” مع هذا الكيان الذي زرعته بعض الدول الاستعمارية في المنطقة. في حين تراجع التضامن مع الشعب الفلسطيني في العقود الثلاثة الأخيرة، وانكفأت العديد من الدول على نفسها تبحث عن حلول لمشاكلها الداخلية وتراجعت منزلة القضية الفلسطينية فعليًّا في سلّم أولويات جامعة الدول العربية، وصرنا ننتظر موعد 29 نوفمبر سنويًّا لنحيي يوم التضامن ببعض التظاهرات الشعبية لتنتهي مع نهاية ذلك اليوم، ثمّ تحوّلت القضية والتضامن معها من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي في نوع من المساندة المعنوية والتعبير عن الشفقة والتعاطف مع مأساة الشعب الفلسطيني، افتراضيًّا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لقد أثبت هذا النوع من التضامن ضعف جدواه، لاسيما بعد ما استجدّ منذ طوفان الأقصى. ولم يعد اليوم مقبولًا، للتعبير عن هذا التضامن، سوى التدخل الفعلي للضغط على دولة إسرائيل ومن يساندها. وهذا الدور موكَلٌ بالأنظمة العربية بدرجة أولى ثمّ بالشعوب الحرة والمجتمع الدولي لوقف العربدة الصهيونية وممارساتها الوحشية، وتمرّدها على كل القرارات الشرعية الدولية، والحيلولة دون استكمال مشروع إبادة سكان غزة أو تهجيرهم بعد أن دمّرت مدن القطاع كلّها.
*كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية