الصحافة في الجامعات

| أسامة مهران

 يبدو أن فراغًا هائلًا مازال يفصل بين الواقع الأكاديمي للصحافة في عالمنا العربي، والواقع الصحافي بشحمه ولحمه وخوارزمياته وإحداثياته وصولاته وجولاته.. يبدو أن الأكاديميين العرب مازالوا يرفضون الاقتراب من واقع الحياة وطبائع الأشياء، ومازالوا يعيشون في أبراج عاجية، ونظريات ضبابية، ولا يسمحون للمحترفين بأن يأخذوا بيد هؤلاء الطلبة لكي يتعلموا فن القدرة مثلما تعلموا التلقين والحفظ عن ظهر قلب، والتدوين “العمياني” للنظريات والسرديات وما وراء التفكير البعيد كل البعد عن أرض الواقع. ذات يوم قال لي أحد طلبة الإعلام في إحدى الجامعات العربية، أنا أعرف تمامًا كيف أكتب الخبر، لكنني لا أستطيع.. لم أجد خيرًا من هذا القول لكي أكتب في كيفية تحويل المعرفة إلى قدرة، باختصار الطالب كان يريد أن يقول لي: “أنا عارف يا أستاذ لكني مش قادر”، كان يريد أن يقول لي: “أنا أعلم لكني لا أدرك الطريق لتطبيق ما أعلمه، إنني فاهم والله، إنما لست بالشخص الذي يستطيع ترجمة ما يفهمه ويصل به إلى الناس”. أعرف أن اليوتوبيا والهالة التي يحيط بها الأكاديميون أنفسهم لا يقبلون بأن يخترقها كائن من كان، لدرجة أن البعض منهم أصبح يتطاول على تطبيقات الصحافة من دون علم أو دراية أو ممارسة ليقوم بتدريس هذه التطبيقات بنفسه، هو كأستاذ يعلم لكنه لم يمارس، هنا قلت للطالب المظلوم: “نعم .. أعرف أنك تعرف، لكنك لا تستطيع”.  

 وأعرف أنك حصلت من أستاذك على كل المعلومات الصحيحة اللازمة لكتابة خبر صحافي سليم، لكنك يا ابننا العزيز لا تعرف كيف تكتب الخبر مثلما يجب أن يُكتَب، هنا لابد أن تكون لديك وقفة مع نفسك طالما أن الجامعات لا تعترف في واقع الأمر بتطبيقات المواد النظرية، ليس أمامك إلا أن تمسك بالصحيفة، أية صحيفة، وتحاول تقليد كتابة الأخبار المنشورة فيها، لكن باستخدام معلومات مختلفة وأحداث غير متكررة، في البداية ستفشل ولكن مع تكرار المحاولة ستكتب الخبر بإتقان، وستعرف أن كل ما تعلمته من أستاذك الجامعي بدأ يؤتي أكله”. هنا مربط الفرس، لذلك أدركت جامعة القاهرة هذه الحقيقة في المهد، وقامت بانتداب صحافيين مرموقين لتدريس مواد الكتابة الصحافية أمثال جلال الدين الحمامصي وكمال عبدالرؤوف وعاطف الغمري، وغيرهم ممن تركوا بصماتهم على أجيال من نجوم الصحافة والذين يعترفون بأفضالهم، والذين لولاهم ما كانوا وما امتهنوا هذه المهنة الصعبة. يقولون في بحريننا الجميلة: “اعطِ الخباز خبزه ولو أكل نصه”، لكننا وللأسف الشديد نعطي الخبز لطبيب الأسنان ولو لم يأكله كله!.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية